··· وقائع الساعات الأربع والعشرين الماضية فقط ، وما جرى فيها من قتل وتدمير وتشريد وتهجير في الأراضي الفلسطينية المحتلة، ومن رفض في داخل مقر رئيس الوزراء الإسرائيلي في تل أبيب لإخضاع المنشآت النووية الغامضة لرقابة الوكالة الدولية للطاقة الذرية، ومن حكم ببطلان شرعية جدار الفصل العنصري صدر من على منصة أعلى جهاز عدلي في العالم وهو محكمة العدل الدولية في لاهاي، هذه الوقائع التي تمت في حيز زمني قصير جدا، أليست كافية لتؤكد من جديد أن إسرائيل - واحة الديموقراطية في صحراء الديكتاتورية كما يزعمون -لا تزال في حالة شذوذ ونشوز وبعد شاسع جدا عن التعايش، ناهيك عن الإندماج في الأسرة الدولية الملتزمة بأبسط قواعد القانون الدولي ؟·
لا غرابة في أن تسارع إسرائيل إلى رفض حكم المحكمة الدولية رغم صدوره بغالبية أصوات أربعة عشر قاضيا مقابل صوت واحد، فهذا دأبها دائما، ولا غرابة أيضا في الاندفاع الفلسطيني والعربي إلى الترحيب به وتأييده باعتباره قرارا تاريخيا، رغم طابعه الاستشاري غير الملزم، إكتفاء ورضا بأضعف الإيمان هذا، لكن الغريب أن تواصل الولايات المتحدة وبعض الدول الغربية ترديد عبارة أن المحكمة الدولية ليست المكان المناسب للنظر في الصراع الفلسطيني الإسرائيلي·إلى أين يذهب العرب والفلسطينيون بعدما سدت في وجوههم كل الأبواب ؟ هل رفع سيف ألـ'' فيتو '' المسلط على رقبة مجلس الأمن منذ تفجر الصراع ؟ هل سعى أحدهم إلى مجرد التفكير في طريقة ما لإلزام تل أبيب باحترام الشرعية الدولية ؟ ألم تهدر إسرائيل جميع فرص السلام التي أهديت لها على طبق من ذهب من قبل ؟ ألم تضرب بعرض الحائط جميع القرارات والتوصيات الدولية الداعية إلى مجرد الإقرار بالحق العربي والفلسطيني المنهوب والمغتصب، ليس من عام 1948، ولكن من عام 1967 ؟
إن قيم العدل والحرية والديموقراطية المشتركة، التي يسعى المجتمع الدولي إلى نشرها وتطبيقها في العالم أجمع، بهدف التخلص من بقايا الظلم والاستعمار والإرهاب، تفرض التزاما أخلاقيا على كل من يتشدق ويتغنى بها ليل نهار، أن يضغط على إسرائيل فقط لوقف خروجها عليها، وانتهاكها الصريح لها، بعدما تعذر،على ما يبدو، حملها على التجاوب معها والالتزام بها !