هل هي جريمة قتل، أم أن الاقتصاد الغربي قرر الانتحار دون وعي منه بما يفعل، وكاد ينجح في محاولته الانتحارية هذه؟ وبهذه المناسبة، فإن العالم الاقتصادي الإنجليزي الشهير جون مينارد كينز، لم يكن يتحدث عن مجرد اقتصاديين موتى عندما كتب قائلاً: "إن الاقتصاد العالمي تسوده أفكار ميتة، بينما قادته أرقاء من الماضي". ومن المؤكد أن الاقتصاد العالمي اليوم يقوده أفراد أدنى من وصف "كينز" لقادة اقتصاد عصره وزمانه بكثير. وفيما لو كان هذا العالم الاقتصادي حياً إلى اليوم، لكان قد أشار إلى أسماء مستشارين إداريين واستثماريين محددين، وحمّلهم المسؤولية عن الأزمة الاقتصادية الأخيرة التي شهدها عصرنا الحالي. فمع بداية العام 2011، لا يزال هناك من يتحدث عن أزمة الاقتصاد الغربي، وكأننا كنا ضحية كارثة لحقت بنا من مكان مجهول. ويتحدث هؤلاء عن الأزمة الاقتصادية، وكأننا سكان هايتي التي ضربتها الزلازل، أو كأننا عصافير أركنساس التي عصفت بها الأعاصير ذات غفلة من ليلها! ففي لغة هؤلاء ليس ثمة أشخاص بلحمهم ودمهم يتحملون مسؤولية ما حدث، خاصةً إذا كان المعنيون بهذه المسؤولية من قادة الاستثمار والمؤسسات المالية، الذين أصروا على القول بأن الأسواق تحسن تدبير أمرها، أو القادة السياسيين هم الذين مكنوا الماليين والاستثماريين مما فعلوه. وبهذا أعود إلى نظرية الانتحار التي قلت بها. ففي وقت ما، آمنت الأمم الغربية بما يسمى الرأسمالية التشاركية، التي افترضوا فيها أن تعود بالنفع والخير على الجميع، بينما اعتبرت الأطراف الرئيسية الفاعلة فيها، من مدراء وموظفين وقوى عاملة، وصيارفة وعملاء، جزءاً من مجتمع واسع تربط بين أفراده جميعاً مصالح مشتركة. تلك هي الرأسمالية المستنيرة التي نشأت في سنوات ما بعد الحرب العالمية الثانية، في الولايات المتحدة الأميركية وأوروبا الغربية. وكانت تلك الرأسمالية ثمرة الجهد المتصل الذي بذله أصحاب الاستثمارات الذين تأثروا برئاسة "روزفلت" والحركة التقدمية في القرن العشرين، "الصفقة الجديدة" التي عقدها روزفلت- وما ارتبط بهما من جهود الحركة النقابية المستنيرة في أميركا، وسنوات حزب "العمال" إبان الحرب، والاشتراكية في بريطانيا، إضافة إلى تأثيرات نشاط "الاشتراكيين الديمقراطيين المسيحيين" في مختلف دول أوروبا الغربية. وبفضل الرفاه الذي عاشه الأميركيون والأوروبيون الغربيون خلال فترة 30 عاماً تلت الحرب العالمية الثانية، فما أكثر الذين ينظرون اليوم إلى تلك السنوات باعتبارها عصراً ذهبياً للثراء والازدهار الفرديين، ولانتشار التعليم العام، والإنجاز الاجتماعي. وفي حين أبدي تعاطفي مع تلك النظرة ، فربما يعترف الكثير من المحافظين الغربيين بشيء من الريبة والتحفظ تجاه الإنجازات الاقتصادية والاجتماعية الكبيرة التي حققها الغرب خلال تلك السنوات، لدى مقارنتهم لها بما عليه الاقتصاد الغربي اليوم. ولكن مما لا شك فيه أن تلك هي السنوات التي شهدت ميلاد نظام الاشتراكية الديمقراطية التي هزمت الشيوعية في نهاية المطاف. فقد كان النظام الاشتراكي المدعو، الذي جرى تنصيبه في كل من الاتحاد السوفييتي ودول أوروبا الشرقية، عاجزاً عن الوقوف أمام الإنجازات الاقتصادية الاجتماعية الكبيرة التي حققها نظيره الغربي. وكان ذلك العجز عاملاً مهماً في انهيار النظام الاشتراكي فيما بعد. بيد أن هناك عدة عوامل أسهمت في الدمار الذي لحق بالنسخة الغربية من الرأسمالية. ولكن يأتي على رأسها جميعاً رفض المنظرين الاقتصاديين والماليين الأميركيين لأهمية الصناعة، التي تعني في مدلولها الرئيسي: صنع الأشياء. فقد سادت في عقد ستينيات القرن الماضي، المحاججة بالقول إن الصناعة، بما يرتبط بها من جهد بدني، واستهلاك للمواد الخام، لم تعد ملائمة لاقتصاد المجتمع الحديث، الذي يجب أن يقوم على إنتاج المعرفة وقدرة هذه المعرفة على الابتكار. وحسب هذا الرأي، فإن المعرفة هي السمة الرئيسية والمميزة لنمط اقتصاد المجتمعات الحديثة. ووفقاً لهذه النظرية، فإن على الاقتصاد الحديث المتقدم أن ينتج الفكر والمبتكرات والخدمات المعرفية المتقدمة ليسهم بها في الاقتصاد العالمي. وبذلك تبقى الصناعة نشاطاً هامشياً من اختصاص ونصيب المجتمعات المتخلفة، التي تستطيع استغلال الموارد المتاحة للاقتصادات البدائية. وقبل أن يفوت علينا الأمر، فإن هذه النظرية تدعو إلى التخلي عن تصاعد الطلب على سداد أجور العاملين الأميركيين، الذين لا شأن لهم بإنتاج المعرفة. كما تلازم مع سمات الغطرسة التي عادة ما تسود بين المجتمعات المحاربة، اعتقاد سائد بأن على الدولة أن تتجنب التدخل المباشر في إدارة الاقتصاد القومي. وتبعاً لذلك، فإنه تتعين خصخصة الاقتصاد، التي لا بديل لها سوى الاشتراكية والعبودية. تلك هي بعض آراء رئيسة الوزراء البريطانية السابقة مارجريت تاتشر، التي عرفت بأنها رائدة في سياسات الخصخصة الاقتصادية. وفي الجانب الآخر من المحيط الأطلسي تقابلها آراء منظرين ومفكرين اقتصاديين أميركيين كثر. ومهما يكن من رأي هؤلاء المنظرين، فمما لا شك فيه إنكار واضح لمسؤولية الدولة عن بناء وصيانة البنى التحتية للأمم. وقد تجلت أخطاء هذه النظرية في زراية وتفكك منشآت البنى التحتية في كل من أميركا وبريطانيا اليوم. ذلك أن الافتراض الذي تستبطنه نظرية الخصخصة المذكورة هو أنه وفيما لو اتسعت حاجة الاستثمار لبناء الجسور وطرق المرور السريع والمطارات لتلبية الحاجة المتزايدة لحركة المرور وتحسين أداء النظم والشبكات الكهربائية القومية. إلى آخره، فإنه يمكن التعويل على الاستثمار وحده لإنجاز كل ما تحتاجه منشآت البنية التحتية. وكان التخلي عن مسؤولية الدولة عن بناء وصيانة منشآت البنية التحتية للأمم، بمثابة خطوة أولى نحو انتحار الاقتصاد الغربي. أما الثانية، فنلخصها في ما يسمى بنظرية "الشركة الافتراضية" التي تشجع الكيانات الإدارية الافتراضية الوهمية، على استغلال الفرص الاستثمارية المتاحة، سواء على أساس فردي أم ائتلافي جماعي بين عدد من الشركات الافتراضية الوهمية. صحيح أن هذه النظرية تحقق مكاسب انتهازية لمن يطبقونها، غير أنها تسهم في تفكيك الاقتصادات القومية للأمم. وهذا هو ما حدث للاقتصاد الأميركي والاقتصادات الغربية في العقد الأول من الألفية الجديدة. ------- ينشر بترتيب خاص مع "تريبيون ميديا سيرفيس"