تقفز ساحل العاج فجأة إلى مقدمة أنباء القارة الأفريقية، نموذجاً لمشكلة القارة مع العالم الخارجي، بل والإطار الأفريقي المضطرب نفسه. والملفت هنا هو ذلك التشدد الأوروبي تجاه ساجل العاج بما يشبه المفاجأة، ومن خلال قضية، تبدو بدورها مفاجئة وهي قضية الانتخابات الرئاسية. وللدول الغريبة الكبرى "طلعاتها" الغريبة في أفريقيا طوال العقود الأخيرة، وخاصة منذ أدت تطورات النظام العالمي إلى هذا الاستقطاب المفجع. وأحياناً تتحكم مصالح مباشرة، تبدو لي غير رئيسية، مثل مصالح هذه المجموعة من الشركات أو تلك لاحتكار مصدر ربحي كبير مثل تجارة الكاكاو التي تبدو بالغة الأهمية في الرفاهية الغربية، فقط وعلى أرض ساحل العاج. ويصدر طرحي هنا من متابعة بسيطة لبعض تواريخ "الوقائع العاجية" في العقد الأخير على الأكثر، بل إنني أبدي دهشتي للمعالجة الحادة الجارية مع "الرئيس" لوران جباجبو، بينما لم يكن في فترات كثيرة بعيداً عن "دعم القوى الغربية له هو" نفسه قبل ظهور منافسيه الجدد في العلاقة الوثيقة مع الغرب أمثال "الحسن وتارا"! والمعالجة هنا ليست لكشف ما ليس معروفاً، أو انحيازاً لطرف دون آخر، وإنما تقصد هنا كشف طبيعة الآليات المستمرة في طابعها وتناقض المعايير الدائم عند قيادات العولمة الحديثة، وهي آليات لا تحترم المنطق الذي تعالج به تساؤلاتنا. وهذه نقطة البداية في الحديث عما أتصور. والمشكلة التي تدور حولها مجمل الصرخات والتدخلات، هي نتائج انتخابات شرعية في ساحل العاج، كان يجري تأجيلها بين عام 2006-2008، من هذا القرن. ولقد جرت هذه الانتخابات في أواخر نوفمبر الماضي (2010). ونلاحظ أنه في الجولة الأولى التي بدت حرة وشفافة لم يفز أي من المرشحين، جباجبو، ووتارا. مع ملاحظة تقدم أصوات "جباجبو" على منافسه في الجولة الأولى لكن أياً منهما لم يقترب من 50 في المئة المطلوبة للفوز. ومن ثم تمت إعادة الانتخابات في 28 نوفمبر لتعلن لجنة وطنية رقماً فائزاً، وتعلن الأخرى (الدستورية العليا) رقماً خاسراً. وكلاهما أقل أو أكثر بخمسة في المئة فقط عن الوسط الذهبي الضروري للفوز! ومنذ قرار الإعادة شهد المراقبون بأن ثمة عملية سياسية شفافة تجرى في ساحل العاج، حتى انحاز قطاع من النخبة الشبابية والسياسية والحضرية إلى "جباجبو"، وانحازت مناطق زراعة الكاكاو في الوسط والشمال إلى الحسن "وتارا"، وكان ذلك موطن الانفجار الذي وقع. ولا يمكن أن تكون عملية إجراء انتخابات بهذه الفروق المحدودة في النتائج سبباً لكل هذا الانفجار في "الموقف الخارجي" بكاء على الاستقرار. فكم من بلاد تمر فيها تزوير الانتخابات، أو الاحتجاج على نتائجها بشكل أو آخر وتمت فيها حلول سلمية، من كينيا إلى أوغندا إلى غينيا، وموريتانيا ولا ينافس حالة ساحل العاج إلا حالة زيمبابوى لكي نرى صورة الفجيعة هذه إلى حد قرار التدخل العسكري من قبل مجلس الأمن أو منظمة "الإيكواس" لغرب أفريقيا، وكان مطروحاً هنا مبدأ اقتسام السلطة مثلما حدث عام 2007 في نفس البلاد، بل ويكاد "جباجبو" أن يكون قد طرحه مجدداً ضمن تصريحاته للحل السلمي للأزمة، لكن ذلك لم يقبل من جانب المتشددين "الخارجيين". والطريف هنا أننا لا نسمع صوتاً "لوتارا" القابع في الفندق الكبير بأبيدجان منتظراً تولى الرئاسة! نسوق هنا بعض الوقائع، منها أن "جباجبو" عاد للبلاد قادماً من فرنسا، حيث عاش طويلاً بمساندة من "الاشتراكيين الديمقراطيين" الفرنسيين، ورأى النظام الفرنسي منذ عام 1990 أن النظام القديم بقيادة "هوفي بوانييه" فقد شرعيته التاريخية "ويحسن دفع وجوه جديدة"؛ فجاء "جباجبو" رئيس "الجبهة الشعبية" ليدخل انتخابات متعددة الأحزاب، وإنْ كان لم ينجح رئاسياً لكنه أصبح برلمانياً لامعاً. وظل في كر وفر مع النظم القائمة حتى جاء في أكتوبر 2000 رئيسًا ضد العسكريين، وبدعم فرنسي معروف. "حسن وتارا" كان نائباً لمدير البنك الدولي، وجاء إلى حلبة الصراع متأخراً كوجه ليبرالي مضمون، لتمرير مصالح كثيرة في هذا البلد. وكانت ساحل العاج لعقود طويلة نموذجاً غربياً لتطور الرأسمالية في أفريقيا على يد آلاف الأوروبيين واللبنانيين، وفي أكبر عاصمة تجارية في غرب القارة ذات الأربعة ملايين نسمة. ولكن المؤسف أن هذا الليبرالي اعتمد على العنصر القبلي والديني في قوته بين مسلمي الشمال ومزارعي الكاكاو في الوسط والشمال، بل والمصوتين الذين يأتون حسب قوة الإدارة القائمة وأهدافها من المهاجرين من الدول المجاورة للعمل في المناطق الزراعية، وأصبحوا يصوتون "للحسن وتارا" بحكم أنه متهم بأصوله "الأجنبية"، أي من أصول مهاجرة. وقد يكون ضعفه الاجتماعي، هو الذي يؤدي إلى اعتماده على القوى الخارجية. ساحل العاج كما قلنا من أكبر المراكز الاقتصادية في القارة، يتحرك الرأسماليون فيها بامتداداتهم من جنوب أفريقيا وأنجولا، ونذكر هنا حمايتها لكل ممثلي هذه الرأسماليات الأجنبية الطاغية، من موبوتو (الكونغولي) إلى سافمبي (أنجولا)، وغيره من أبناء "أوبنهايمر" (جنوب أفريقيا). إلى آخر هذه العمليات الدولية الكبرى في المجال الرأسمالي، ولم يتح لها كل ذلك أي نفوذ سياسي على نحو ما نرى مثلاً للسنغال أو نيجيريا، وفق عوامل مختلفة غير مجرد حركة رأس المال. يضاف لكل ذلك العامل القريب والأكثر مباشرة مع موضوع اضطراب الموقف الحالي في ساحل العاج. فالبلاد هي مصدر لحوالى 40 في المئة من إنتاج الكاكاو في العالم، تنتجها أيد رخيصة من المهاجرين أنصار "وتارا" الآن ولا تنافسها إلا غانا وإندونيسيا. وتقع بورصة تسويقه أساساً في لندن (الرابطة العالمية للكاكاو) ونيويورك. وترتفع أسعاره تباعاً مع اضطرابات ساحل العاج بما يبلغ الضعف في السنوات الأخيرة (وصل سعر الطن إلى ثلاثة آلاف دولار) وقد ارتفع بنسبة 12في المئة فقط في الشهرين الأخيرين. ونعرف منذ زمن أن مصانع الشيكولاته في بريطانيا تنافس بشدة المصانع الفرنسية والسويسرية في هذه الصناعة. تعددت مصادر الصراع على ساحل العاج، ولفرنسا تحديداً ثارات قديمة نسبياً منذ دمرت قوات "جباجبو" ذات مرة قاعدة طيران فرنسية في وسط البلاد في ظروف تدخل مماثلة فقامت القوات الفرنسية بتدمير سلاح الطيران العاجي كله عقاباً وانتقاماً، ومن ثم انضمت فرنسا لقوى التدخل الجارية في ساحل العاج. التدخل العسكري في ساحل العاج إذن هو تأديب للخارجين على النص الأوروبي من جهة، واختبار قوة لحماية المصالح، وقد يكون درساً في أفريقيا هذه الفترة لمن سيتحكمون في إنتاج البترول واليورانيوم والذهب (من دارفور حتى موريتانيا!)، ولذا لا نستطيع توقع نجاح الحلول الوسط مثل تقسيم السلطة في ساحل العاج بشراكة بين "جباجبو"و"وتارا"، وإنما سنتشهد غالباً تشدداً قد يكون ممتداً من غرب أفريقيا إلى السودان في وقت ليس ببعيد.