أكد الدكتور أحمد نظيف رئيس الوزراء المصري مؤخراً، أثناء لقاء أجراه مع رؤساء مجالس إدارات، ورؤساء تحرير الصحف القومية المصرية، أن حادث كنيسة القديسين بالإسكندرية يزكّي ضرورة الاتجاه نحو الدولة المدنية الحديثة وترسيخ قيم المواطنة، باعتبارها العلاج الشامل لما وقع في مصر، وأن مجلس الوزراء سيعالج عبر التشريعات ترسيخ هذا المفهوم، وعدم التمييز بين الناس على أساس الدين، والعمل على تحقيق المساواة من خلال إجراءات عملية تنفيذية؛ وقال إن الحادث هو جرس إنذار بأن الإرهاب لا زال يقظاً، ويعمل بشكل كبير، وأنه لا علاقة للحادث بالطائفية من قريب أو من بعيد. وموازاة مع هذا التصريح سمعنا حديثاً مصريّاً عن عناق الهلال والصليب، وهذا الكلام لمواطنين ومثقفين تحدثوا بنيات حسنة، ولكن أظن أنه انزلاق وخطر كبير لأن فيه تدييناً للحوار الوطني، لأن الحديث بلغة طائفية أو لغة دينية قد يساهم في إشعال البغضاء بين كل فئات المجتمع الواحد، ويصبح الفكر فكراً عدميّاً يشبه الرحاة التي تدور حول نفسها أو النار التي تلتهم ذاتها، وهو عين التخلف والانحطاط الذي يورث العداوة على أسس طائفية أو مذهبية أو عرقية أو دينية، وينتهي في الأخير بالحديث عن الدولة الدينية وتديين الوطن بدلًا من الحديث عن المواطنة. إن إقرار مبدأ المواطنة هو مصدر الحقوق ومناط الواجبات لكل المواطنين من دون إقصاء لأي أقلية أو حرمانها من امتلاك أدوات ومتطلبات ممارسة حقوق المواطنة وأداء واجباتها، وإقامة دولة المواطنة يعني شعور الفرد بأن حقوقه في المنافع والمكاسب متساوية مع الآخرين، وأن ذلك حق لا منّة أو عطاء، ويجب أن يسائل الدولة إذا ما عجزت عن تحقيقها أو تهاونت في ذلك. فمبدأ المواطنة هو المدخل الصحيح لبناء الدول، الذي يضخ المناعة في كل المجتمعات ويحصنها من فيروسات صراع الطوائف المختلفة حيث يصبح الدين يافطته المرفوعة، وهكذا يصبح المسلمون والمسيحيون والعرب والأكراد والأمازيغ، على سبيل المثال، مواطنين لهم نفس الحقوق وعليهم جميع الواجبات، لتترسخ من خلال ذلك الهوية الوطنية الأكبر، التي تلم وتدمج كل فئات وجماعات المجتمع المختلفة في قوالب جامعة تحفظ للإنسان إنسانيته وكرامته وحقوقه. ولبنان نموذج لما يمكن أن يقع للمجتمعات عند عدم استحكام مفهوم المواطنة فيها؛ فالنظام الطائفي الذي تأسس منذ عام 1942 في هذا البلد أنتج مشاعر قومية وثقافية سياسية طائفية جعلت من الطوائف أجساماً سياسية بالدرجة الأولى وليس أجساماً اجتماعية، وجعل الناس يتمسكون بالزعامة الطائفية ويسعون من خلالها لتأمين الحد الأدنى من الخدمات أو إعطاء وظيفة من الوظائف، مما جعل، حسب تعبير المفكر اللبناني جورج قرم، المنطق الطائفي السائد يرسخ أقدام هذه الزعامة في الوحل الطائفي. ومزقت الحرب الأهلية الداخلية 1975- 1990، صرح المجتمع اللبناني، ونجحت إسرائيل على مدى خمس عشرة سنة في النيل من هذا البلد، وصورته على أنه ليس بلداً للمواطنة الواحدة وملتقىً حضاريّاً أو جسراً، بل همجية طوائف متناحرة تعمق حالة التشظّي في المجتمع. ويتحمل في الأخير النظام الطائفي والطبقة السياسية، التي يعاد إنتاجها منذ القرن التاسع عشر عبر تقوية الطائفية، مسؤولية تأزم الحالة اللبنانية واستعصائها على الحل. والسودان مثال آخر لما يمكن أن يقع لدولة لا تتشبع بمفهوم المواطنة، حيث فشلت حكومات البلد المتتالية في ترسيخ هوية وطنية واحدة، بل حتى إن مشروع بناء الدولة لم يكتمل، والله وحده يعلم ما يمكن أن يقع عند انفصال جنوب السودان، وولادة دولة جديدة، وانعكاسات تقوقع السودان في شماله، وكان بإمكان هذا البلد بلوغ مرحلة تشكيل مجتمع المواطنة لو أحسنت القيادات الحكومية المتتالية تحكيمها وتسيير النزاعات والعصبيات، فيظل آمناً في دياره، موحداً مع جنوبه، مطمئناً في دارفور. ثم يأتي العراق كمثال آخر للصراع بين الطوائف المختلفة الذي يصبح مع مرور الوقت صراعاً على القوة يؤجج الفرز المذهبي، قطباه المعلنان هما السنة والشيعة وبعض من الطوائف الأخرى التي أضحت مجزأة بدورها أو ما يسميه البعض بتفكيك المفكك وتجزئة المجزأ، فيختل بذلك التوازن الإيجابي لصالح التوازن الصفري، أي أن كل طائفة أو تيار ينفي الآخر بوضع علامة الطرح بينهما على نحو يمنع من إقامة نظام سياسي محكم يعبر عن إرادة مجتمعية مشتركة يكون فيها الولاء في الأخير للوطن وليس للطوائف و الملل و النحل. إن كلام رئيس الوزراء المصري صحيح فالحادث حادث إرهابي وليس بطائفي، ويستحسن جر كلام الصحافة والمثقفين والفنانين ورجالات الدولة سويّاً إلى هذا المنحى، وعناق الهلال والصليب هو كصب الزيت على النار من أناس يظنون أنهم يفعلون خيراً، وكان الأحرى بهم الحديث بلغة المواطنة، وهذا العناق سيقنع لا محالة عقلاء القوم، ولكنه قد يفعل العكس بضعاف النفوس، فيتقوى فيهم الفكر العدمي والإيديولوجيا الطائفية والعنصرية بل وحتى القومية والقبلية والدينية كما هو حال بعض البلدان حاليّاً أو في فترات معينة من تاريخها. إن بناء دولة المواطنة هو مفتاح الفرج، فلن تبقى حكومات طائفية تحتكر لوحدها السلطة أو المنافع وخيرات البلاد، ولن يبقى تمييز يطال أناساً دون غيرهم، ففي مجتمع المواطنة يتخلى الفرد عن هويته العصبوية الصغيرة باقتناع لصالح الهوية الوطنية الجامعة الشاملة؛ ولن تساهم هذه المواطنة فقط في تحصين الدولة من ويلات الطائفية ولكن أيضاً من كل تدخلات دول الجوار والقوى العظمى.