كأن شيئاً من إنجازات العصر ومكتسباته العظيمة والواسعة... لم يصل إلى هذا المكان من إفريقيا، والمأخوذ بإفريقيته التي لا يكاد يكون لها من ملامح سوى الكوخ والغابة وآثار الحرب الأهلية! هنا في جوبا، عاصمة الجنوب السوداني، وقبل يومين على استفتاء تقرير المصير، جلست هاتان المرأتان تعدان الطعام لأسرتهما. الأم تخبز والفتاة تقلي. لا شيء تقريباً غير الدقيق والزيت وماء الغدير. أما وسيلة الطهي فهي نار الحطب الذي توفره الغابة بسخاء، فيما تعجز السياسة عن توفير الحد الأدنى من شروط الحياة الكريمة! ورغم ذلك تبدو العاصمة جوبا منتشية باستقلال دولتها حتى قبل أن تظهر النتائج النهائية للاستفتاء، مع أنها باتت معروفة حين أعلن كل طرف موقفه ودعا أنصاره للتصويت. فقر مدقع، وجهل مستشر، وبنية عرقية غير مطمئنة... تلك بعض مقومات الواقع الذي تتأسس عليه الدولة المنتظرة، والتي يرى المراقبون أن احتياطياتها النفطية لن تكون عامل قوة مالية لها إلا بقدر ما تكون عامل تنازع داخلي آخر. فخلال خمس سنوات ماضية، كان نصيب الجنوب من عائدات النفط السوداني مليارات الدولارات، لكن لا أحد يعلم أين ذهبت. لذلك يقول المولعون بنظرية المؤامرة إن ثمة طبخة أعدت للسودان على نار هادئة، وأنها أصبحت جاهزة، وأن الطعم يتذوقه كل السودانيين!