مع بدء كل عام تكون الفرصة مواتية لإجراء جردة حساب عام مضى واستشراف آخر جديد. وما ميز العام الماضي، عربيّاً، كان فائض الأحداث والكوارث والتفتيت والتشرذم والاحتقان، للأسف. ويُخشى من تفاقم في العام الجديد في أكثر من دولة ومجتمع. والملفت في العام الماضي انسداد أفق التغيير، فعلى رغم كثرة الانتخابات العربية، إلا أنها لم تغير شيئاً بل ألغت في بعضها المعارضة كليّاً. وضمن التجاذب الإقليمي والدولي بقي الطرف العربي هو الأكثر تأثراً والحلقة الأضعف من المحيط إلى الخليج. وبقي اللاعبون الإقليميون غير العرب، من إسرائيل المتعنتة، وإيران المتحدية، وتركيا الصاعدة، بمشاريعهم وبرامجهم وأجنداتهم هم من يتحكم في مفاصل الأوضاع، ويتدخل ويؤثر في شؤوننا وحتى على حسابنا وحساب مصالحنا وأمننا واستقرارنا، من القضية الفلسطينية إلى الشأن العراقي، والأمن الخليجي، ومسألة السلام والحرب والتصعيد والتهدئة في المنطقة. وفي كل هذا نرى الطرف العربي هو من يسدد الفواتير على حساب أمنه القومي ومصالحه ومستقبله. ومع كثرة الكلام واللغط العربي عن التضامن وعقد القمم العربية والقمم الثنائية وغيرها بقي حالنا العربي في عام 2010 كحالنا في عام 2009، وأصبح أقصى آمالنا ألا تتراجع أوضاعنا وحالنا أكثر في عام 2011، وخاصة أن هناك الكثير من الغيوم والسحب الداكنة فوق سمائنا العربية تهدد بالمزيد من التشرذم والتفتيت لأكثر من دولة مثل الصومال والسودان واليمن، وما يجري في العراق ومصر ولبنان يدعو أيضاً للقلق. وهناك مخاوف التفجير والتشظي الداخلي والحروب الأهلية المستعرة في أكثر من دولة سواء بسبب الخلافات المذهبية والعرقية والطائفية أو بسبب الأوضاع الاجتماعية والمالية الخانقة (ما يجري في الجزائر وتونس). وللتذكير فقد كان عام 2010 عام الانتظار الطويل والتعويل على الآخرين للتدخل لحل أزماتنا، مثلما كان التعويل على الناخب الإسرائيلي قبل سنوات على أمل أن يقرأ الواقع ويأتي بحكومة معتدلة تستجيب لاستحقاقات السلام فإذا به يأتي بحكومة غلاة التطرف وعتاة اليمين. وعول العرب أيضاً على أوباما، وخاصة بعد خطابه في جامعة القاهرة وحديثه عن التصالح، وتأكيده أن أميركا ليست في حرب مع الإسلام، وصدقنا ذلك، وخاصة أنه بدأ العام "بتحمير العين"، من طرفه وطرف وزيرة خارجيته، على إسرائيل بالتشديد على وجوب وقف بناء المستوطنات. ليتراجع الطرف الأميركي عن ذلك، بل ويغري إسرائيل بالمزيد من الحوافز والطائرات، فيما نتنياهو يستمر في تطرفه وبناء المستوطنات والتعنت. وقد خيب أوباما آمال العرب لأن الثوابت الأميركية أقوى بكثير من نواياه الطيبة ووعوده الحالمة. وعوّل العرب أيضاً على تركيا للتدخل والتوسط والمساعدة، وتحول أردوغان إلى بطل قومي عربي بعد تصريحاته وتوبيخه العلني في "دافوس" لبيريز، وزاد رصيده بعد مجزرة سفينة مرمرة. وفيما غاب العرب، أصبح التنافس على القضية الفلسطينية وقلوب وعقول العرب بين تركيا وإيران. وعبرت عن ذلك خطوط الانقسام والاصطفاف في لبنان التي زارها نجاد وأعقبته زيارة أردوغان. أما لحظات الفرح والانتصارات العربية في عام 2010 فقد كانت قليلة ونادرة بسبب إدماننا على الخسائر والتنازلات. وحدها دول مجلس التعاون الخليجي على رغم التهديدات الأمنية من "القاعدة" والأوضاع في العراق وإيران، كانت مصدر ذلك الفرح، بما شهدته من توسيع الاستثمارات في الشرق والغرب وصناديق الثروات السيادية والاستمرار في تقديم الدعم وتضميد الجراح العربية والتوسط لحل الصراعات والخلافات. كما شكل فوز قطر باستضافة كأس العالم لعام 2022 رافعة كبيرة لقطر ولدول مجلس التعاون الخليجي وللعرب جميعاً، وأعاد ذلك ما تبقى من ثقة وإيمان بقدراتنا كعرب على رغم الوهن البين. إن مخاوفنا كبيرة في عام 2011 من تراجع أوضاعنا أكثر بالنظر لجمود السلام وتعثره وبسبب الأوضاع المتردية في السودان الذي أصبح سودانين. وإذا ما أضفنا الأوضاع في الصومال الدولة الأكثر فشلاً وفساداً في العالم، والفرز الطائفي في مصر باستهداف الأقباط، وفي لبنان الذي ينتظر مصيره على وقع قرار المحكمة الخاصة في اغتيال الحريري، والأوضاع في اليمن ومشاكله المتشعبة، واستحقاقات العراق المحتقنة، يكتمل بؤس المشهد العربي. فهل نتفاءل في هذا العام؟ كل عام وأنتم بخير!