أحياناً كثيرة لا يُصدّق الإنسان نفسه عندما ينجح في انتشالها من بؤر الفقر والعوز، وأنه غدا من الذين يُشار لهم بالبنان داخل مجتمعه. يظل أياماً وشهوراً، بل وسنوات ترتسم الدهشة على صفحة وجهه، غير مصدّق أنه حقق حلم حياته بالتحرّر من قيد الحرمان المحكم وثاقه حول رسغيه، لينضم إلى سرب المشاهير والأثرياء. أحلامنا لا تتحقق بسهولة ما بين يوم وليلة، وآمالنا ليست سطوراً نتسلّى بكتابتها ليلاً وندسها قبل النوم تحت وسائدنا، لنجدها تقرع أبوابنا نهاراً مُدغدغة بضوئها صفحة وجوهنا. الأحلام تحتاج إلى جهد مضنٍ ومثابرة متواصلة وتحدٍ شرس لإرسائها على أرض الواقع. قصة "أوبرا ونيفري" الفتاة السوداء التي كانت تعيش مع جدتها في حي فقير بولاية مسيسبي، تستحق أن يتوقف المرء عندها ويتمعن في تفاصيلها. هذه الفتاة التي ترعرعت وسط عائلة مفككة وعاشت هي وأسرتها على المعونة الاجتماعيّة، استطاعت بإرادتها القوية أن تحصل على منح دراسيّة حتّى تخرجها من الجامعة. اليوم أصبحت "أوبرا ونيفري" أول مليونيرة سوداء في العالم. وتحكي بفخر أن حلمها في أن تُصبح يوما مشهورة وغنية، كانت تحمله معها في كل مكان تذهب إليه. قد تسأل نفسك متعجباً. ما سرُّ نجاح هذه المرأة؟! هل يكمن السر في ذكائها؟! في تفوقها الدراسي؟! في عزيمتها الحديديّة؟! في البيئة الاجتماعية الحرّة التي تحترم كفاح المرء أيّا كانت منزلته دون وضع اعتبار أساسي للمحسوبيّة والعلاقات الخاصة والشللية؟! في المناخ الحر الذي يُعطي الفرصة كاملة لكل من يمتلك موهبة حقيقيّة؟! هل هو الحظ الذي دقَّ بابها مرّات ومرّات، وما زال يقف عند بابها عبداً خانعاً ينتظر الإشارة منها لكي يهبها المزيد؟! الواضح للعيان أن نجاح "أوبرا وينفري" يعود إلى كل هذه العوامل مجتمعة. فمن الصعب بمكان أن يجتمع الناس على حب شخص ما! بل نجد أن كافة مشاهير العالم، هناك من يحبهم وهناك من يريد التشفّي بهم وهناك من يحقد عليهم من أعماق قلوبهم، إلا أن هذه المرأة اجتمع الناس من كافة أقطار الأرض على حبّها. وهذا يعود إلى أنها قامت بنقل معاناة الناس من خلال برنامجها الناجح "أوبرا شو"، حيث كانت معاناتها القاسية في طفولتها دافعاً قويّاً ومباشراً لإحساسها بمشاكل الناس من حولها وتسليط الضوء عليها ومد يد العون لأصحابها. اليوم بعد أن توقّفت "أوبرا ونيفري" عن تقديم برنامجها الشهير، أعلنت إطلاق قناتها التليفزيونية الجديدة بأول أحرف من اسمها "أو دبليو إن" بإنتاج مشترك مع شبكة تليفزيون "ديسكفري"، مخاطبة مشاهديها في حفل افتتاح القناة بالقول: "رغبتُ في إنشاء شبكة لتثبّت روح القوة بكم حتّى تستطيعوا تحويل أحلامكم إلى حقيقة". لو سألتَ أي إعلاميّة عربية... ما أقصى آمالك في الحياة؟! لأجابت حلمي أن أبلغ المكانة التي حققتها هذه المرأة. هل من الممكن أن ينجح نموذج "أوبرا ونيفري" في مجتمعاتنا العربية؟! أشك في هذا! فالحلم الكبير بجانب الموهبة والإرادة الحرة والتصميم والإصرار من المرء نفسه للوصول إلى هدفه، يحتاج إلى مؤسسات إعلامية وتربوية وتعليمية متطورة ومنفتحة على الآخر تُصقل موهبته وتأخذ بيده حتّى يقوى ساعداه، وهو الذي ما زلنا نفتقده بشدة في أوساطنا! لا أريد أن أحبط الشباب الذين أعوّل عليهم كثيراً في إطلاق ثورة التغيير، ولكن أما آن لمؤسساتنا على تنوّعها أن تتحرر من جمودها الفكري والثقافي والتعليمي بل والديني أيضاً كي تخلق نماذج مُشرّفة مستقبلاً تُساهم في الأخذ بيد مجتمعاتنا نحو غد مزدهر واضح الرؤيا.