يبدو أن تعهد أوباما بالتوصل إلى تسوية سلمية تفاوضية للنزاع الإسرائيلي/ الفلسطيني يمضي سريعاً نحو الفشل، باعتباره سمة مشتركة لكافة الخطط والسياسات الأميركية السابقة والمتعلقة بهذا الأمر، على رغم وصف تعهد أوباما بالتوصل إلى الحل المطلوب بأنه استثنائي وفريد في تاريخ الوساطة الأميركية لحل النزاع. ويعود تاريخ الوساطة الأميركية من أجل حل النزاع الإسرائيلي/ الفلسطيني إلى عقد خمسينيات القرن الماضي. بيد أن أول خطة أميركية للسلام لم تتبلور إلا في عام 1969. حينها قدم وزير الخارجية الأميركية "ويليام روجرز" خطة للسلام لكلا الطرفين كان هدفها المساعدة على تطبيق قرار مجلس الأمن الدولي رقم 242، عبر المفاوضات بين كل من إسرائيل ومصر والأردن. وكان الزعيم المصري الراحل جمال عبدالناصر قد فاجأ الإسرائيليين بإعلان موافقته على الخطة التي قدمها "روجرز"، ولاسيما أن إسرائيل كانت هي الطرف الرافض للخطة. ومهما يكن، فقد انتهت تلك الخطة إلى الفشل بسبب اعتراض هنري كسينجر عليها -كان يشغل منصب مستشار الأمن القومي حينئذ، وكان منافساً غير مهادن لـ"روجرز". ومع ذلك فقد مثلت خطة "روجرز" تلك سابقة وأساساً بنيت عليه جميع خطط السلام الأميركية اللاحقة. وعادةً ما تقدم هذه الخطط لطرفي النزاع في حال نشوب حرب، أو وقوع مواجهات مسلحة بينهما. وكانت خطة روجرز قد ظهرت عقبت حرب عام 1967 وحرب الاستنزاف في 1969. ومن السمات المشتركة لخطط السلام الأميركية أنها عادة ما تعرض تحريك قنوات التفاوض على طرفي النزاع. والملاحظ أن هذه الخطط لا تقوم على مبادئ الشرعية والقانون الدولي، بقدر ما تقوم على توازن للقوى الإقليمية ترجح فيه غالباً كفة إسرائيل باعتبارها كياناً محتلاً وأكبر قوة عسكرية ضاربة في المنطقة. كما يلاحظ أن جميع خطط السلام الأميركية قد نصت على توفير ضمانات لأمن إسرائيل، إضافة إلى توفير عتاد حربي متقدم لضمان استمرار تفوقها العسكري. ولهذه النقطة الأخيرة أهمية كبيرة، لأنها تتضمن اعتقاداً أساسيّاً لدى واشنطن بأن المفاوضات تعد عاملاً إيجابيّاً في ما عرف لاحقاً بعملية السلام. غير أن زيف هذا المنطق قد انكشف عندما استغل الإسرائيليون منطق المفاوضات التي جرت طوال عقد التسعينيات، في تغيير الحقائق على الأرض، بانتزاعهم للمزيد من أراضي الفلسطينيين، وتسريعهم لبناء المستعمرات الإسرائيلية في الأراضي المحتلة. ثم إن هناك ثغرة أخرى في اعتماد الوساطة الأميركية على مبدأ توازن القوى الإقليمية. ففي إعطاء إسرائيل حق حيازة المزيد من الأراضي المحتلة -وإن كان ذلك يتم عادةً عبر المفاوضات- ما يتناقض ومبدأ القانون الدولي المنصوص عليه في قرار مجلس الأمن رقم 242: "لا تجوز حيازة الأراضي بواسطة استخدام القوة". ومن السمات المشتركة العامة لخطط السلام الأميركية المتعلقة بحل النزاع الإسرائيلي/ الفلسطيني أيضاً الاعتقاد بأن لواشنطن وحدها اليد العليا والنفوذ على جميع أطراف التفاوض، بما يمكنها من التوصل إلى تسوية سلمية تفاوضية للنزاع. وقد تجسد هذا الاعتقاد عمليّاً عندما قرر السادات طرد جميع المستشارين السوفييت من بلاده في عام 1972، متبوعاً بتوجيه دعوة مفتوحة لواشنطن بضم مصر إلى نطاق نفوذها الإقليمي والدولي. ولكن المعضلة الرئيسية لهذه السمة من سمات خطط السلام الأميركية، تتلخص في أن العلاقات الخاصة التي تربط بين الولايات المتحدة وإسرائيل، كثيراً ما تستغل من جانب إسرائيل لتحييد الضغوط الأميركية عليها، أكثر من أن تكون سياقاً للتعاون المثمر على حل النزاع بين أميركا وإسرائيل. وعليه يمكن القول إن مبادرة إدارة أوباما لتحقيق السلام في الشرق الأوسط، قد سارت على ذات الطريق الذي سلكته من قبل خطة "روجرز" وغيرها من مبادرات سلام لاحقة. وقد جاءت مبادرة أوباما هذه عقب سلسلة من المواجهات العنيفة المسلحة، تمتد من حرب العراق، والحرب على الإرهاب، وصولاً إلى الاجتياح الإسرائيلي الأخير للبنان، وكذلك الهجوم الوحشي الذي شنته إسرائيل على قطاع غزة، وفرض الحصار الجماعي على مواطنيه. وليس ثمة ما يثير العجب إذن أن تنتهي مبادرة أوباما هذه إلى ذات الفشل الذي انتهت إليه جميع مبادرات السلام الأميركية السابقة. غير أن المدهش حقاً هذه المرة، هو كيف ترجمت بلاغة وفصاحة خطابات أوباما التي خصصها لحل نزاع الشرق الأوسط، إلى هذا الأداء الهزيل على الأرض، وكيف انتهى أمر هذه المبادرة إلى تلقي واشنطن لإهانات علنية من قبل إسرائيل، في مرتين مشهودتين على الأقل: أولاهما عندما رفضت إسرائيل وقف العمل في وحداتها الاستيطانية الاستعمارية في الأراضي المحتلة، وثانيتهما عندما أعلن رئيس الوزراء الإسرائيلي رفضه لعرض المساعدات العسكرية المغري الذي قدمته له واشنطن، مقابل وقف التوسعات الاستعمارية لمدة ثلاثة أشهر فحسب! كما يحسب على مبادرة أوباما أنها سلطت جهودها على المفاوضات بين طرفي النزاع، وكأنها غاية في حد ذاتها، بدلاً من أن تكون مجرد وسيلة للوصول إلى الهدف النهائي المتمثل في حل الدولتين المستقلتين، القائم على مبادئ متفق عليها بين الأطراف المعنية. وعلى أية حال، فإن من المتوقع أن تواجه إدارة أوباما لحظة حاسمة خلال الأيام القليلة المقبلة. ذلك أن الفلسطينيين وكتلة الدبلوماسيين العرب سيقدمون مشروع قرار لمجلس الأمن الدولي ينص على الدعوة لإعلان عدم شرعية المستعمرات اليهودية في الأراضي الفلسطينية المحتلة، وأن هذه المستعمرات تمثل عقبة كأداء أمام السلام. ولا يدعو مشروع القرار المذكور إلى فرض أية عقوبات دولية على إسرائيل، لكنه يحث المجتمع الدولي على ممارسة الضغط عليها بشكل فعال. وفيما لو مارست واشنطن حق النقض "الفيتو" ضد مشروع القرار هذا، فإن في ذلك ما ينسف مصداقيتها لدى الفلسطينيين، ولدى الجزء الغالب من المجتمع الدولي. أما في حال امتناع واشنطن عن التصويت، أو تصويتها لصالح مشروع القرار، فإن من شأن ذلك أن يضخ دماءً جديدة في عملية السلام الهامدة.