يعد آخر إعلان ترويجي لحساب "إم-كيشو" المصرفي المرتبط بخدمات الهاتف النقال في كينيا، بمثابة صيحة جديدة في فنون الإعلان هناك، لا تقل لفتاً للنظر وإحداثاً للتغيير من الحساب المصرفي، الذي ارتبط به الإعلان الذي أطلق في بداية العام الحالي. ففي الإعلان المرئي نرى رجلاً يحفر حفرة كبيرة في ساحة خالية مغطاة بالحشائش، وعلى حافة الحفرة جرة كبيرة مليئة بالنقود المعدنية يبدو أنه كان يريد دفنها في تلك الحفرة. لكن وبعد أن انتهى الرجل من أعمال الحفر، تبين له أن الحفرة كانت عميقة بدرجة تجعله لا يستطيع الخروج منها. عندها يعلو صوت على الخلفية الموسيقية التي صورت الحدث، ليقول للرجل والمشاهدين ما معناه إن هناك ثمة طرقاً أسهل لحفظ أموالكم والتعامل معها. وكما نعلم، فإن قدرة الأفراد على الوصول إلى الخدمات المالية، أمر له أهمية كبيرة جداً في جهود مكافحة الفقر. فحتى أفقر الفقراء يحتاجون إلى الأدوات التي تمكنهم من تلبية احتياجاتهم اليومية، فضلاً عن تنمية الأصول والممتلكات التي تعينهم على الخروج من دائرة الفقر. ولا شك أن التوفير يعد الأداة الأفضل للحد من خطر الفاقة وتنمية الثروات. لكن وعلى رغم ذلك، لا يزال يفتقر ما يزيد على ملياري ونصف المليار فرد في مختلف أنحاء العالم إلى الخدمات المالية الرسمية، التي من شأنها إعانتهم على تحقيق هذه الأهداف. وحتى وقت قريب جداً، كان يسود الاعتقاد لدى الكثيرين بأنه ليس في وسع الفقراء أن يدخروا مطلقاً، وأن الادخار ليس جزءاً من حياتهم اليومية. ولكن حان الوقت الذي ينبغي فيه تغيير هذا الاعتقاد بفضل ظهور خدمات الادخار المالي الرسمية للفئات الدنيا من الهرم الاجتماعي مؤخراً، وهي ظاهرة تستحق تسليط الأضواء عليها حقاً. ففي قمة الـ20 الأخيرة التي أجريت في الثاني عشر من نوفمبر الماضي، أضاف قادة العالم هدف المشاركة المالية إلى المبادئ التسعة الأساسية لخطة العمل التنفيذية الإنمائية. وبعد أربعة أيام فحسب من ذلك التاريخ، تعهدت مؤسسة "بيل وماليندا جيتس" بتوفير مبلغ إضافي قدره 500 مليون دولار دعماً لتحقيق هدف المشاركة المالية، ولا سيما المساعدة على فتح حسابات الادخار لأعداد أكبر من فقراء العالم. ولكن علينا أن نتساءل: ما الذي يعيق عملية الحصول العالمي على الخدمات المالية؟ ربما تكون الإجابة مفاجئة للكثيرين، غير أن العقبة الرئيسية أمام هذه الخدمات هي النقود. ولكي نختصر الطريق لفهم هذا اللغز، علينا القول إن النقود مكلفة. وكما نعلم فكثيراً ما يميل الفقراء إلى الاعتماد على الاقتصادات القائمة كلياً على النقود. ومن ناحيتها ترى البنوك أن المحافظة على فتح فروع لها في المناطق النائية الفقيرة، بغية تحصيل الأموال الصغيرة التي يوفرها الفقراء، تتطلب تحمل البنوك لتكلفة مالية تفوق ما يجمعه الفقراء من مدخرات. وعليه، يتعين على الفقراء السفر لبضعة أميال من قراهم ومناطق إقامتهم لإيداع أموال ضئيلة جداً. ومن مساوئ هذا التنقل من جانب الفقراء من وإلى البنوك القريبة، أنه يرفع تكلفة الترحيل، ويهدر كثيراً من وقت وجهد الفقراء. وكما نرى فإن هناك صعوبة واستحالة في توصيل الأموال بهذه الطريقة، بيد أن في الإمكان تحويل المبالغ النقدية إلى معلومات إلكترونية، وهو حقيقة أي حساب مصرفي في نهاية الأمر. فعندما تنزع الطبيعة المادية من المال، يسهل إرساله إلكترونياً بأقل تكلفة ممكنة. والطريقة الأسهل والأسرع لإحداث هذا التحول عالمياً، هي استخدام المتاجر المحلية المتوفرة في القرى والأحياء باعتبارها وكالات مصرفية تابعة للبنوك الأم. ومن حسن الحظ أن انتشار الهواتف النقالة في الدول النامية، قد جعل هذا الانتقال ممكناً. ففي أفريقيا وحدها يفوق عدد مستخدمي الهواتف النقالة، عدد الذين لهم حسابات مصرفية بمعدل الضعف تقريباً. ويعني هذا أن المعاملات المصرفية عبر الهواتف النقالة تقوم على بنية تحتية متوفرة أصلاً. وتسمح هذه البنية التحتية بإكمال أنشطة "الصيرفة خارج البنوك" بأمان تام، سواء من جانب من يوفرون الخدمات المالية، أم من جانب العملاء المقيمين في المناطق الريفية. وعبر التنسيق والتعاون فيما بينها، تعمل المؤسسات المالية وشركات الاتصالات وشبكات تجارة التجزئة، على مساحة واسعة من الاستخدام الإلكتروني والخدمات المصرفية القائمة على الهواتف النقالة، بل تستطيع هذه المؤسسات تسهيل عملية الانتقال بتوصيل مستحقات نظام الرعاية الاجتماعية وغيرها من المساعدات المقدمة للمواطنين إلى نظام إلكتروني. وفي كينيا وحدها، تستخدم نسبة تزيد على 50 في المئة من الراشدين، خدمات شركة "إم-بيسا" الكينية لتحويل الأموال عبر الهواتف النقالة، التي بدأت نشاطها في عام 2007. ويعود سر النجاح الذي حققته هذه الخدمات إلى تمكن المتعاملين معها من الإيداع والسحب في أي من المتاجر المرتبطة بها، والبالغ عددها 20 ألف محل تجاري. وتجدر الملاحظة أن عدد هذه المحال التجارية يعادل عدد مجموع الفروع المصرفية الكينية بحوالي 20 مرة على الأقل. وعليه يمكن القول إن مثل هذه الخدمات المالية القائمة على تكنولوجيا الهواتف النقالة تحمل وعوداً كبيرة بتوفير السيولة النقدية وسهولة الوصول إلى الخدمات التي يتطلع إليها المدخرون الفقراء. كما أن الفرصة التي تعد بها خدمات الهواتف النقالة المالية، تبدو أكبر بكثير مما تحقق منها حتى الآن. ولنتخيل مثلاً أن بوسع كل فرد إجراء معاملات مصرفية من حسابه عبر شبكة إلكترونية مأمونة مريحة ويسهل استخدامها. فإلى جانب حساب التوفير، سيكون بمقدور العملاء استخدام الشبكة الإلكترونية نفسها لتحويل الأموال من شخص إلى آخر، فضلاً عن إجراء عمليات الدفع. إضافة إلى ذلك، فإن سلسلة المعاملات هذه توفر تاريخاً مالياً يمكن المدخرين الفقراء المستخدمين للشبكة، من التمتع بالخدمات الائتمانية التي توفر لهم السيولة النقدية اللازمة لبدء استثماراتهم. ------- جامي زيمرمان مدير مشروع "جلوبال أسيتس بنيو أميركا فاونديشن" إجناسيو ماس مدير فريق الخدمات المالية للفقراء بـ"بيل آند ماليندا جيتس فاونديشن" ------- ينشر بترتيب خاص مع خدمة "كريستيان ساينس مونيتور"