اعتادت وسائل الإعلام المقروءة والمرئية والمسموعة في نهاية كل عام ميلادي على إجراء جرد سنوي لأهم الأحداث المحلية والدولية سواء كانت سياسية أم اقتصادية، رياضية أم اجتماعية، وتضيف الصحف والمجلات الاجتماعية أهم الأخبار الاجتماعية من زواج وطلاق وميلاد ووفيات. ومن المسلي دائماً الاطلاع على هذه الملاحق السنوية أو البرامج التلفزيونية كاختصار للزمن، عام مضى لم يبق منه إلا أحداث عامه. وبمطالعة سريعة لأحداث ومستجدات عام 2010 نستطيع، وبلا تردد، أن نسميه عام "ويكيليكس"، وبالتأكيد جوليان أسانج مالئ الدنيا وشاغل الناس بالتسريبات الدبلوماسية. إنه رجل العام كما صنفته صحيفة "لوموند" الفرنسية. هو عنوان مرحلة ستؤرخ مستقبلاً، على صعيد حرية التعبير ونشر المعلومات، بما قبل "ويكيليكس" وما بعدها. تطرح قضية تسريبات "ويكيليكس" قضية حرية الإنترنت ونشر المعلومات كأهم عنوان من عناوينها، فقد كانت حالة "ويكيليكس" ظاهرة في حرية التعبير وتداول المعلومات لكنها لن تكون حالة منفردة، وملاحقة القائم عليها "أسانج" قضائيّاً لن تنهي تعقيدات هذه الظاهرة، فتسريب معلومات دبلوماسية وتقارير عن طريق مصادرها الأصلية المتعددة ثم نشرها أمام العالم وإن لم يكن حالة فريدة إذ سبقتها حالات مماثلة كموقع مثل "كريبتوم" Cryptome الذي تأسس عام 1996، لكنه بالتأكيد ليس بحجم ولا تأثير المعلومات المسربة من طرف موقع "ويكيليكس"، فيما ظهرت بالفعل مواقع مشابهة كموقع "أوبنليكس" للتسريبات الذي أسسه شريك سابق لـ"أسانج". ودون شك تدرك الولايات المتحدة ودول العالم أن اعتقال "أسانج" لن يوقف تيار تسريب المعلومات، قد يبطئه أو يعيقه لحين، لكن بالتأكيد لن تستطيع إلا أن تتكيف مع إمكانية حدوث التسريبات. وفي المقابل فإن موجة التعاطف مع "ويكيليكس" في تصاعد مما يجعل تعقبها أو تعطيلها من الصعوبة بمكان، في ظل تعدد الخوادم الصديقة للموقع أو غيره من المواقع المشابهة. والطريف في الأمر رصد ردود أفعال العرب تجاه ظاهرة التسريبات وطبعاً قياساً على حالة حصار الحريات العربية وسقف حرية التعبير الهابط تراوحت ردود الأفعال الشعبية بين مشكك وبين خاضع لنظرية المؤامرة، فهناك لا شك المؤامرة الأميركية الإسرائيلية الكبرى للإطاحة أو للتشكيك بالسياسة العربية، وتمضي النظرية بتحليل وقت التسريبات وتأثير هذه التسريبات على الساسة والسياسات، وتحميل التسريبات أكثر مما تحتمل أو على النقيض من ذلك بتهميشها والتركيز على جزئيات أخرى بعيدة عن جوهر التسريبات أو دلالاتها، إنها الأحكام المسبقة المريحة للعقلية العربية. أما عند مطالعة بعض الكتابات الصحافية العربية فقد تراوحت بين الإسقاطات الفكرية على الحالة دفاعاً أو هجوماً فنظرت بعض الآراء لتسريبات" ويكيليكس" كتسريبات منتقاة تخدم السياسة الأميركية، واستشهد الطرح بمعلومات انتقائية تخدم الرأي المطروح، ومجافية بالطبع للموضوعية، فيما ركزت الأخرى على ردود الأفعال الرسمية والسيناريوهات المستقبلية لمواضيع بعينها تشكل جزئيات من ملف التسريبات. وعلى المستوى الرسمي كان الصمت سيد الموقف وهو لا شك الخيار الأسلم للساسة بعد أن فوجئوا بأن ما قيل خلف أبواب مغلقة منشور على الملأ. بينما العالم يتحدث عن تسريب 251.287 من البرقيات الدبلوماسية الأميركية، والوثائق العسكرية الأميركية السرية عن حربي العراق وأفغانستان، ما زال العالم العربي يتحدث عن سقف الحرية صعوداً وهبوطاً، فسقف الحريات الهابط بشدة فوق رؤوس القامات المحنية يكاد يخنق حرية التعبير ونشر المعلومات في وسائل الإعلام الرسمية أو الخاصة فيما تحجب المواقع الإلكترونية. لقد تجاوزنا القرن للأسف بين نظم تحجب المدونات والمواقع المعارضة وبين دول تعتقل المدونين ودول تراقب متصفحي المواقع المشاغبة. ومن المحزن بالفعل أن يتجاوزنا التاريخ. إنه عام التسريبات وبقية من أعوام الخيبات العربية على مستوى حرية التعبير.