تشهد العلاقات التركية- الإسرائيلية، على المستويين الرسمي والشعبي، تحولا نوعيا بالغ الأهمية تزداد حدته مع استمرار أرئيل شارون، رئيس الوزراء الإسرائيلي في ممارساته ضد الشعب الفلسطيني. ولا يمكن لأي مراقب سياسي في الساحة التركية أن يتجاهل مظاهر الغضب الشعبي من ممارسات شارون وحكومته، مثلما أنه لا يمكن أيضا غض النظر عن التحول الملموس في لهجة الخطاب الإعلامي الحكومي التركي إزاء سياسات وأعمال الحكومة الإسرائيلية الحالية. فامتناع كل من السيد رجب طيب أردوغان رئيس الوزراء، وعبدالله غول وزير الخارجية، عن زيارة إسرائيل حتى الآن - رغم مرور أكثر من عام ونصف على وصول حزب العدالة والتنمية إلى السلطة- يُعد مؤشرا على فتور علاقات البلدين. وفي هذا السياق، يجدر التذكير بالوصف الذي أطلقه أردوغان للمرة الأولى إزاء ما تقوم به الدولة الصهيونية من اغتيالات ضد الفلسطينيين إذ وصفه بأنه "إرهاب دولة"، الأمر الذي يشكل دليلا ومؤشرا واضحا على مدى الغضب التركي من سياسة حكومة شارون ضد الفلسطينيين العُزّل. كما أن هذا الموقف يعكس، في الوقت نفسه، هواجس تركية من أهداف إسرائيل التوسعية في المنطقة وتحالفاتها المريبة مع بعض الأقليات وتعارضها مع المصالح القومية التركية.
وفي النطاق العملي، ثمة دليل ملموس على مدى توتر العلاقة بين الدولتين حيث قامت تركيا باستدعاء سفيرها في تل أبيب وقنصلها العام في القدس المحتلة احتجاجاً على المجازر التي ارتكبتها القوات الإسرائيلية ضد الفلسطينيين العزل في الضفة الغربية وقطاع غزة والتي كان آخرها في مدينة رفح. وقد كان أردوغان صريحاً وشجاعاً عندما انتقد بلهجة لاذعة الممارسات الإسرائيلية حيث شبَّهها بما كان يحدث لليهود أثناء محاكم التفتيش الكاثوليكية في أسبانيا. كذلك، وجه أردوغان رسالة إلى الدولة العبرية أكد فيها أنه حان الوقت للتوقف عن هذه السياسة، مشيرا إلى أن المساعي الخاطئة من جانب إسرائيل تدفع بعملية السلام إلى الانهيار لأن الصواريخ لن تحقق فائدة لأي كان، بل على العكس من ذلك حيث يتضرر كل طرف من ردود فعل الطرف الآخر. ومن جانبه، أكد عبدالله غول على الموقف ذاته مؤكدا أن الممارسات الإسرائيلية تضر تماماً بمسيرة السلام وتزيد الوضع صعوبة.
ولعل من أهم ما يجب الإشارة إليه حقيقةُ أن موقف المسؤولين الأتراك لا يمكن عزله عن القناعات الفكرية الراسخة لدى كل من أردوغان وغول اللذين لا يخفيان مرجعيتهما ذات الاتجاه الإسلامي وبخاصة أن مثل هذه المرجعية لا تسمح لهما بمجاملة قادة إسرائيل أو التزام الصمت حيال ما تقوم به حكومة أرئيل شارون من اعتداءات وانتهاكات للقانون الدولي كما كانت تفعل حكومات تركية سابقة. وما يعزز الموقف الرسمي هذا، بل يحفزه، يتأتى من حقيقة أن الموقف الشعبي التركي من ممارسات إسرائيل الإرهابية ضد الشعب الفلسطيني لم يكن أقل حدة من الموقف الرسمي حيث خرج الآلاف من الأتراك للتظاهر احتجاجا على عملية اغتيال الرنتيسي ناهيك عن مطالبة العديد من المنظمات الشعبية التركية أنقرة بقطع علاقتها الدبلوماسية مع الدولة العبرية أو تجميد العمل بعدد من اتفاقات التعاون الموقعة معها.
على صعيد مختلف، يمكن رصد أسباب التوتر الحالي في العلاقات ما بين تركيا وإسرائيل إلى بدايات السياسة الأميركية الحادة تجاه العراق وما أعقب ذلك من احتلاله من قبل قوى "التحالف". وقد جاء ذلك التوتر نتيجة جملة من المتغيرات الداخلية والإقليمية. وفي هذا النطاق، بدأت هذه الأزمة الصامتة تأخذ طابع الانتقادات التركية لإسرائيل سواء بخصوص سياستها تجاه العراق أو في تصاعد عدوانها على الشعب الفلسطيني. وكانت العلاقات التركية - الإسرائيلية قد تميزت بالتعاون الوثيق لمدة أكثر من نصف قرن ووصلت إلى مستوى التحالف الاستراتيجي عقب توقيع الجانبين في عام 1996 على اتفاق عسكري يقدم الكثير من المميزات العسكرية لإسرائيل. إلا أن الاحتلال الأميركي للعراق، والمساعي الأميركية الإسرائيلية المشتركة لإعادة ترتيب المنطقة من جديد، كانا من أقوى العوامل التي أدت إلى بروز مجموعة من الوقائع والمتغيرات التي انعكست سلبا على العلاقة التركية - الإسرائيلية. ولعل من أهم هذه المتغيرات التحسن الكبير الذي طرأ على العلاقات التركية - السورية في الفترة الأخيرة. فسوريا لم تعد "عدواً" لتركيا بل إن التنسيق الأمني بين البلدين قد وصل إلى مرحلة عالية من التعاون لمواجهة "الخطر الأصولي" الذي تستشعران أنه يهدد البلدين. كما أن سقوط نظام حزب البعث في العراق قد أدى إلى تأسيس بدايات نظام لطالما خشيت منه تركيا. واليوم بات واضحا أن أشد ما يقلق تركيا هو حالة الفوضى وغياب الأمن التي تجتاح العراق حيث تخشى تركيا من امتدادها إلى الدول المجاورة وبالأخص إليها هي. وقد حفز ذلك تركيا إلى تحسين علاقتها بالدول العربية خلافا لرغبة الولايات المتحدة وإسرائيل. وبالإضافة إلى ذلك، فإن وصول حزب إسلامي معتدل إلى السلطة في تركيا سيؤدي حتما إلى تراجع في العلاقة ما بين ت