أجواؤنا ملبدة بالغيوم ولعلها تمطر لتغسل النفوس وتبعد الملوثات السياسية والبيئية، وإن كان غسل النفوس ليس بالهين فهي تحتاج إلى تسونامي شريطة أن لا يكون له ضحايا. وبما أننا خير أمة أخرجت للناس فلن يمسنا الشر، رغم قناعتي بأن هناك من تفوق علينا من الأمم بمقاييس الأخلاق والعلم، وهذا ما يجعلني أقترب من اليقين بأن العلة فينا وليست في الإسلام فهو براء مما يلصق به أعداؤه وأتباعه. وبالمناسبة فقد قرأت رد الأزهر على تقرير الحريات الدينية الأميركي، وكان الرد عنيفاً حيث اتهم واشنطن بتدبير مؤامرة لتفتيت النسيج الاجتماعي المصري تحقيقاً لمخطط "الفوضى الخلاقة". وقد جاء الرد بأنه ليس للأزهر سلطة لمنع الكتب والمصنفات الفنية، وأن رأيه استشاري فحسب، بمعنى أنه يمهد الطريق والباقي على الحكومة، وهذه زلة أزهرية، حيث غابت الشفافية. ولعلنا نقول للقائمين على الأزهر: فكوا التشابك بين الدين والسياسة فقد شبعنا فتاوئ سياسية وادعموا استقلال مؤسساتنا الدينية ودعوها ترفع الرسالة الناصعة ولا تتحزب لهذا أو ذاك. ولعلنا نذكر الأزهر بأن بعض مساجدنا تستخدم لأغراض حزبية سياسية، وأنتم على بينة، بل نذهب للقول بأن ضحايا الإرهاب هم شباب تعلموا فن المهنة من مؤسساتنا الرسمية الخاضعة لوزارات الأوقاف. وكما نقول دائماً فلتتسع الصدور ولا تضيق بنقد العقل. فعندما يقول الأزهر إن "من حق صاحب كل دين سماوي حرية عرض دينه والدفاع عنه، لكن الممنوع هو التنصير الذي تمارسه الدوائر الغربية والذي يدخل في إطار الغزو الفكري"، فهنا التناقض الذي نزج أنفسنا فيه، فنحن نطالب بالحرية في دعوتنا لاعتناق الإسلام، وفي الوقت نفسه لا نريد للآخرين ممارسة دورهم انطلاقاً من عقيدتهم. دعونا نعلم أبناءنا أن للشعوب عقائد ومعتقدات، ومن حقهم علينا أن نحترمها، وأن لا نعلمهم ازدراء الآخر. وفي السياق نفسه، أقام أربعة محامين مصريين قضية أمام مجلس الدولة يطالبون فيها بوقف إصدار حكم قضائي يلزم وزير الإعلام المصري وشيخ الأزهر ومفتي الجمهورية بوقف عرض المسلسل الإيراني "يوسف الصديق" على القنوات الفضائية على "النيل سات" لأن المسلسل يجسد بالصور شخصيات لها قدسيتها ومكانتها بين المسلمين. ولعلنا نذكر الأزهر بأن المعركة ليست بيننا والغرب، فهي بالداخل؛ بين المسلمين أنفسهم. ولعلنا نكف عن لوم الآخر ونبدأ بلوم النفس. "كاتيل فوا شيل" ممثلة بلغارية عرض لها فيلم في مهرجان القاهرة السينمائي، وفيلمها "تعليق صوتي" يدور حول تحكم المخابرات البلغارية في الشعب من خلال قصص ومعايشات من الواقع، وهو فيلم يستحق المشاهدة لعشاق الأفلام الهادفة وليست الساقطة على الطريقة العربية. المهم أن البعض احتجوا على الممثلة البلغارية لأنها تولت دور البطولة بفيلمين إسرائيليين، فثار منظمو المهرجان لأنهم ضد التطبيع، وهذه حكاية تناقضاتنا العربية، ويا ليتنا نفهم أنفسنا ونعرف ماذا نريد لنكف عن لعبة التضليل ونجيّر الفن لصالح قيم العقل لكي نعيش الواقع ولا نسبح بعيداً عن شاطئ البحر وإن كنا قد غرقنا منذ زمن في بحر التضليل، ونحن في انتظار انقشاع الغيوم السوداء لينزل علينا مطر السماء ليغسل عقولنا قبل قلوبنا. نقول لأصحاب حملات التضليل بأن العقول ضاقت ولم تعد قادرة على استيعاب تناقضاتكم فدعونا نفكر، فمن يغلق بابه في عصر العولمة يمارس عزل النفس وليس عزل الآخر.