في ظل زيادة الوعي العام بالأعراض الجانبية للأدوية والعقاقير الطبية، وعدم فاعلية هذه الأدوية والعقاقير في علاج بعض الأمراض، أصبح الكثيرون يلجؤون إلى الوصفات الشعبية، أو الطب التقليدي، والطب التكميلي، وهو الاتجاه الذي يحمل في طياته مشاكل ومخاطر أكبر، وخصوصاً لدى الأطفال وصغار السن، حسب دراسة نشرت مؤخراً عن المستشفى الملكي للأطفال بمدينة ملبورن الأسترالية. فمن خلال متابعة عشرات الحالات، التي تعرضت لمضاعفات خطيرة، أو للوفاة في بعض الأحيان، خلصت الدراسة التي نشرت في إحدى الدوريات الطبية المتخصصة في أمراض الأطفال (Archives of Disease in Childhood) إلى أن الاعتماد على الوصفات الشعبية والأعشاب الطبيعية، يشكل خطراً داهماً، يزيد في فداحته عن الأعراض الجانبية المعروفة والمتوقعة للعقاقير الصيدلانية. ولإظهار هذه الحقيقة وتأكيدها ذكر القائمون على الدراسة عدة أمثلة تسببت الوصفات الشعبية فيها في وفيات بين الأطفال الذين عولجوا بها. الوفاة الأولى كانت لطفل عمره ثمانية أشهر فقط، أدخل إلى المستشفى في حالة من سوء التغذية الشديد المصاحب بصدمة تسممية (Septic Shock)، نتيجة اعتماد والديه على غذاء مكون فقط من حليب الأرز لعلاجه من "الاحتقان" منذ أن كان عمره ثلاثة شهور. أما الوفاة الثانية، فكانت لرضيع عمره عشرة شهور أدخل إلى المستشفى في حالة صدمة تسممية أيضاً نتيجة اعتماد والديه على وصفات شعبية، و"ريجيم" غذائي خاص، لعلاجه من "الأكزيما" المزمنة. وفي الوفاة الثالثة، التي وقعت لطفل مصاب بنوبات تشنج عصبية، كان السبب هو اعتماد والديه مرة أخرى على الوصفات الشعبية لعلاجه، بدلا من الأدوية والعقاقير المخصصة لعلاج نوبات التشنج، خوفاً منهم من الأعراض الجانبية والمضاعفات التي تنتج عن الأدوية. أما الوفاة الرابعة، والأغرب، فكانت لطفل مصاب باضطراب في تخثر الدم، وهو مرض خطير، إلا أن والديه مرة أخرى اختارا الوصفات الشعبية، كبديل للعلاج الطبي المعروف والمتفق عليه. وبخلاف تلك الوفيات، وحسب الدراسة الأسترالية، تتسبب الوصفات الشعبية في العشرات من الأعراض والمضاعفات الصحية، الخطيرة بكل المقاييس. وتتعدد وتتنوع أنواع الطب البديل، بشكل يثير الحيرة والربكة لدى كثيرين، وإن كان يميزها إلى حد كبير كونها ممارسات تطبق منذ قديم الزمن من قبل القبائل والحضارات القديمة قبل أن توجد المختبرات وشركات الأدوية متعددة الجنسيات. وتوجد عدة أنواع من الطب البديل حاليّاً مثل الطب التركيبي أو البنائي ، والطب الشمولي ، بالإضافة إلى أنواع وأصناف أخرى عديدة. ويمكن تعريف الطب البنائي أو التركيبي على أنه نظام معالجة يعتمد على نظرية مفادها أن الأمراض تنتج في الغالب من فقدان التماسك البنائي لأعضاء الجسم، وهو الوضع الممكن إصلاحه من خلال أسلوب المعالجة اليدوية، والتأثير على علاقة العظام والعضلات ببعضها بعضاً، مع استخدام العقاقير والجراحة في حالات معينة. أما الطب الشمولي فهو مبني على فلسفة أن العلاج يجب ألا يتركز على العضو أو النظام المريض، بل يجب أن يتمتع بنظرة شمولية تتعامل مع الجسم كوحدة واحدة يجب عدم تجزئتها، وخصوصاً العلاقة بين الجسم والعقل والأبعاد النفسية. ولذا يرى ممارسو هذا النوع من الطب أن من الخطأ تجاهل الأبعاد العقلية والنفسية والاجتماعية للمريض في السعي نحو علاجه وتخفيف شكواه. وأخيراً هناك الطب الشعبي، الذي يعتبر من أصعب الأنواع في التعريف والتحديد، حيث إنه يشمل ممارسات علاجية متعددة الأشكال وواسعة النطاق مثل الإبر الصينية، والأعشاب العلاجية، بالإضافة إلى الكي والحجامة بالطبع. ويمكن رد هذه الوفيات، وتلك المضاعفات الخطيرة إلى ثلاثة أسباب رئيسية: الأول هو الاستعاضة بالوصفات الشعبية التي غالباً ما تكون عديمة الفائدة عن العقاقير والأدوية الطبية، في علاج بعض الأمراض الخطيرة، مثل اضطرابات تخثر الدم، أو السكري، أو الصرع والتشنجات العصبية، وهو ما يترك المريض تحت رحمة التطورات الخطيرة للحالة المرضية المصاب بها. والسبب الثاني، هو حقيقة أن الكثير من تلك الوصفات الشعبية تسبب في حد ذاتها ضرراً ومضاعفات خطيرة، بسبب احتوائها على مركبات كيميائية شديدة الفعالية، وشديدة السمية أحياناً. فالاعتقاد الشائع والخاطئ بين ممارسي هذه الأساليب العلاجية، هو أن الاعتماد على مكونات ومركبات (طبيعية)، يبقى أقل خطراً من الاعتماد على المركبات الكيميائية الاصطناعية الموجودة في الأدوية والعقاقير الطبية. وإن كان من المعروف والثابت أن المكونات الطبيعية تحتوي أحياناً على مواد ذات درجة من السمية، قد تعجز المختبرات والمعامل الكيميائية عن مضاهاتها، وهو ما يعني أن الاعتقاد بأن المواد الطبيعية غير ضارة مجرد وهم وخطأ كبير. أما السبب الثالث في تسبب الوصفات الشعبية في أضرار صحية فادحة، فيتأتى من أنها -سواء كانت ضارة أم لا- تتفاعل مع بعضها بعضاً، أو مع المواد الكيميائية الموجودة في العقاقير الطبية، لتؤدي إلى تبعات وخيمة. وفي هذه الحالات، ينتج الضرر من مزج مادتين كيميائيتين داخل الجسم، لا تشكل أي منهما خطراً أو ضرراً، لو تواجد منفرداً داخل الجسم. وهذا التفاعل لا يقتصر فقط على الوصفات الشعبية وإنما ينتشر أيضاً بين العقاقير والأدوية الطبية، وإن كانت مثل هذه التفاعلات في حالة الأدوية الطبية معروفة وتخضع للدراسات المستفيضة على عكس الوصفات الطبية التي يجهل في الغالب ممارسو الطب البديل، أو حتى الأطباء والعلماء، مكوناتها الكيميائية المفيدة أو الضارة.