لم يكن الفوز الانتخابي للرئيس البيلاروسي المنتهية ولايته، ألكسندر لوكاشينكو، أمراً مفاجئاً للمراقبين، لاسيما بالنظر إلى النفوذ الذي يتمتع به داخل كثير من القطاعات الرسمية والشعبية. ووفقاً لتلك النتائج، فقد حصل لوكاشينكو على 79.67 في المئة من أصوات الناخبين، فيما حصل أقرب منافس له، وهو مرشح المعارضة أندري سانيكوف، على 2.56 في المئة فقط. لكن إعلان نتائج انتخابات الرئاسة البيلاروسية، والتي جرت يوم التاسع عشر من ديسمبر الجاري، لم يمر دون اعتراضات داخلية وخارجية ملحوظة، بما في ذلك الاحتجاجات التي أدت إلى اعتقال سبعة من أصل تسعة مرشحين للانتخابات، وكذلك الاعتراضات التي سجلتها حكومات ومنظمات غربية اعتادت التشكيك في نزاهة كل انتخابات رئاسية بيلاروسية. لكن لا يبدو أن لوكاشينكو سيتوقف كثيراً عند مثل تلك الاحتجاجات والاعتراضات، بل المرجح أنه سيمضي في ولايته الرابعة نحو إكمال ما يعتقد أنها منجزات يتعين عليه السير فيها إلى النهاية. فقد أصبح لوكاشينكو ثاني رئيس لبيلاروسيا، في عام 1994، بعد استقلالها عن الاتحاد السوفييتي المنحل، ثم أعيد انتخابه رئيساً لها ثلاث مرات بعد ذلك. وفيما يتهمه معارضوه بالسلطوية، يرى مؤيدوه أن سياسته جنبت البلاد تحديات حقيقية كان يمكن أن تنجم عن تبني النظام الرأسمالي في مرحلة ما بعد الاتحاد السوفييتي. ولد لوكاشينكو عام 1954 لأب من أصل أوكراني، في قرية "قرية كوبيس" في بيلاروسيا، وحصل على شهادة من معهد المعلمين عام 1975، ثم ابتداءً من ذلك العالم ولغاية 1982، خدم في حرس الحدود قبل أن يغادره ليصبح نائباً لرئيس إحدى المزارع الجماعية. ثم تمت ترقيته في عام 1985 ليصبح مدير مصنع لإنتاج أدوات البناء. ولعل أحد أهم التحولات في حياته كان انتخابه نائباً برلمانياً في المجلس الأعلى لبيلاروسيا عام 1990، حيث ذاع صيته بعدما أسس مجموعة برلمانية سماها "شيوعيون من أجل الديمقراطية". ثم لبلاغته الشهيرة ضد الفساد، انتخب في عام 1993 رئيساً لمجموعة برلمانية أخرى مناهضة للفساد، حيث وجه اتهاماً لـ70 من كبار موظفي الدولة، منهم رئيس البرلمان "ستانيسلاو شوشكيافيتش" الذي صوت النواب بحجب الثقة عنه. بيد أن التحول الأكثر أهمية في الحياة السياسية للوكاشينكو كان انتخابه رئيساً للبلاد عام 1994. ففي ذلك العام أقرت بيلاروسيا دستوراً جديداً، أتبعته بانتخابات رئاسية، تنافس على الفوز بها ستة مرشحين منهم لوكاشينكو، الذي فاجأ المراقبين بخطاب انتخابي تركز على مخاطر "انتصار المافيا"، فحصل في الشوط الأول على 45 في المئة من أصوات الناخبين، قبل أن يفوز في الشوط الثاني بنحو 80 في المئة من الأصوات. ولدى توليه الرئاسة، سارع لوكاشينكو إلى اتخاذ جملة من الإجراءات لـ"تثبيت الاقتصاد"؛ فضاعف رواتب الموظفين، وأمر بمراجعة الأسعار، وأعاد النظر في كثير من العقود... لكنه وجد نفسه أمام تحديات التحول المدروس من اقتصاد اشتراكي إلى اقتصاد حر، في بلد يتوسط مجموعة من الدول الرأسمالية. ثم تضاعفت التحديات مع العزلة التي فرضها الغرب، وكذلك البنك وصندوق النقد الدوليان اللذان علقا قروضهما المالية لبيلاروسيا عام 1995 بسبب "نقص الإصلاحات الاقتصادية". ومعلوم أن بيلاروسيا دولة أوروبية داخلية غير ساحلية، تعتمد في تجارتها الخارجية (60 في المئة) وفي وارداتها من الغاز والبترول (100 في المئة) على روسيا. ومن هنا تنبع مبررات العلاقة القوية التي تربط لوكاشينكو بموسكو. وقد سبق لروسيا، في مطلع عام 1998، أن أوقفت تعاملها التجاري مع روسيا البيضاء بالروبيل البيلاروسي، لكن لوكاشينكو لم يسمح لخطوة كتلك أن تزعزع علاقات البلدين، وأمر بالإبقاء على السعر السابق للروبيل البيلاروسي، وبتجميد آلاف الحسابات المصرفية، وتقليص أنشطة البنوك التجارية، مما أحدث هلعاً في الأوساط الاقتصادية المحلية سرعان ما تم تخطيه. وكانت القيادة الروسية قد وقفت إلى جانبه خلال الأزمة السياسية التي واجهها في صيف عام 1996 عندما وقع 70 نائباً عريضة لمنعه من "انتهاك الدستور"، لكن بنصيحة من موسكو عمد لوكاشينكو إلى تنظيم استفتاء على تعديل دستوري جديد مدد ولايته ثلاث سنوات إضافية، ووسّع صلاحياته لتتضمن الحق في إغلاق البرلمان. وبعد الاستفتاء الذي صوت فيه الناخبون لصالح التعديلات المقترحة، تم إغلاق البرلمان واعتقل 89 من أعضائه اعتبرتهم السلطة "خونة"، فتعالت بعض احتجاجات داخلية وخارجية، رد عليها لوكاشينكو بإغلاق عدد من صحف المعارضة، وبزيادة صلاحيات الـ"كا جي بي" البيلاروسي. ولم يزل لوكاشينكو يعتبر أن السبب الرئيسي لمشكلات البلاد الاقتصادية هو الفساد ودور "المتحايلين الاقتصاديين"، في الداخل والخارج، لذلك أطلق حملة ضد الفساد تم خلالها إيقاف عشرات المسؤولين الحكوميين، وقد اعترف بعضهم على شاشات التلفزيون الحكومي بمخالفات مالية ارتكبها. وكثيراً ما اعتبر لوكاشينكو أن الحكومات الغربية تتآمر على نظام حكمه، وقد قرر في أبريل 2008 إبعاد سفراء كل من الولايات المتحدة وبريطانيا وفرنسا وألمانيا وإيطاليا واليابان، وهي الدول التي تمنعه من دخول أراضيها. وكما تواصلت الإدانات الغربية خلال كل موسم اقتراع تشهده بيلاروسيا، لم تتغير كثيراً الثيمة الأساسية لحملة لوكاشينكو الانتخابية بين عامي 1994 و2010، حيث تركز خطابه دائماً على الإدارة الاقتصادية، والشراكة مع روسيا، والسلطة الرئاسية القوية للمحافظة على النظام، ومعارضة تمدد "الناتو" شرقاً، ونبذ استيراد النسخة الغربية من الديمقراطية. ورغم أن مؤشرات الاقتصاد البيلاروسي تعتبر جيدة بشكل عام، حيث يبلغ متوسط نصيب الفرد نحو 8100 دولار أميركي، وحيث لا يتجاوز مستوى التضخم 9.5 في المئة، ومعدل البطالة 1.5 في المئة فقط، وحيث يعمل نحو ربع السكان في القطاع الصناعي... فإن الاقتصاد البيلاروسي لايزال في معظمه تحت سيطرة الدولة ويوصف بأنه وفق "النمط السوفييتي"، حيث يعمل 51 في المئة من البيلاروسيين في شركات ذات ملكية عامة، وحيث تملك الحكومة 32 بنكاً من أصل 37 بنكاً تجارياً في البلاد. وما تلك إلا عناوين عامة لبعض التحديات التي يتعين التعامل معها خلال الولاية الرئاسية الجديدة للوكاشينكو، إذا ما توفرت أجواء خارجية وداخلية معينة ومحفزة! محمد ولد المنى