على مدار السنة الماضية، انخرط العديد من الانتحاريين في محاولات متكررة لتفجير أنفسهم وإلحاق أضرار جسيمة بالأماكن التي استهدفوها، سواء في أوروبا أو الولايات المتحدة الأميركية. ورغم الفشل الذي رافق جميع تلك المحاولات، وعدم إحداثها أية خسائر في الأرواح، إلا أن المراقبين ما فتئوا يحذرون من تكرار محاولات إرهابية من ذلك النوع في المستقبل، مؤكدين أن الأمر لا يعدو مسألة وقت قبل أن يحالف إحداها الحظ فتقع الكارثة ويسقط الضحايا. وبتتبعنا لمسار المحاولات الإرهابية طيلة السنة الماضية، فسنندهش لوتيرتها المتزايدة من جهة، وتكرارها المتتالي من جهة أخرى. ففي شهر سبتمبر من السنة الماضية، كاد النيجيري "عمر فاروق عبد المطلب"، الذي يبلغ من العمر 23 سنة وينتمي إلى تنظيم "القاعدة"، ينجح في تفجير طائرة ركاب أميركية متجهة إلى مدينة ديترويت بعد ما حطت في هولندا، حيث أقدم الشاب المتشبع بالأفكار الراديكالية على إخفاء المتفجرات في ملابسه الداخلية واستطاع اجتياز أجهزة المراقبة. وقبل عشرين دقيقة من هبوط الطائرة، سعى "عبد المطلب" إلى تفجير المواد التي بحوزته، إلا أن الركاب استشعروا الوهج ورائحة الحريق فسارع أحدهم إلى السيطرة على الشاب ومنع وقوع الكارثة التي إن حصلت فلا شك أنها كانت ستقضي على جميع ركاب الطائرة، بل كانت ستوقع ضحايا على الأرض مع احتمال سقوط الطائرة في أماكن مأهولة. وقد اعترف الشاب النيجيري بصلاته مع تنظيم "القاعدة"، وأثبت التحقيق لاحقاً أنه تلقى تعليماً متشدداً في اليمن هيأه لتبني الأفكار المتطرفة والتخلي عن إسلامه الإفريقي المتسامح. وفي سبتمبر 2010 أبلغ أحد الأعضاء المنشقين عن "القاعدة"، السعودي جابر الفيفي، أجهزة الاستخبارات في بلاده عن طائرات شحن متجهة إلى الولايات المتحدة تحمل طروداً ملغومة. وعلى الإثر قامت أجهزة الأمن الأوروبية بإيقاف الطائرات في لندن والولايات المتحدة وتفتيشها ليتبين أن المتفجرات كانت مخبأة في علبة الحبر الخاصة بطابعات أجهزة الكمبيوتر، وأعلنت السلطات الأميركية أن الطرود كانت مرسلة إلى كُنس يهودية في مدينة شيكاغو، وربما كان الهدف هو تفجير الطائرات في السماء. ولم تتوقف العمليات الإرهابية الُمجهضة عند هذا الحد، بل تصاعدت وتيرتها وتلاحقت المحاولات المرة تلو الأخرى، وهكذا تم اكتشاف سيارة مفخخة بمدينة نيويورك، في شهر مايو 2010، ليتم تفكيكها ويسفر التحقيق عن التعرف على "فيصل شاهزاد"، ذي الثلاثين عاماً، الأميركي المتحدر من أصول باكستانية، حيث اعتُقل قبل فراره إلى دبي. وقد كشف التحقيق أنه تدرب على استخدام المتفجرات أثناء زيارته باكستان في وقت سابق. ولو أنه نجح في تفجير السيارة المفخخة، لكان ألحق خسائر فادحة في صفوف رواد ساحة "تايم سكوير" الشهيرة في نيويورك، والتي عادة ما تغص بالمارة والمتجولين. وقبل فترة قصيرة، وتحديداً في أكتوبر 2010، تمكن مكتب التحقيقات الفدرالية من إحباط محاولة إرهابية أخرى كان يهيئ لها "فاروق أحمد" الذي هاجر إلى أميركا صغيراً وحصل على جنسيتها، مستهدفاً تفجير قطارات المترو. وبالطبع استطاعت أجهزة الأمن إجهاض المحاولة، وإلا كانت الخسائر البشرية كارثية وكان الدمار هائلا. وأخيراً قام "تيمور عبد الوهاب العبدلي" بمحاولة لتفجير نفسه في ديسمبر 2010، في ستوكهولم بالسويد، ولحسن الحظ فقد فشل في تفجير السيارة ولم يلحق الضرر سوى بنفسه. وقد أشارت التحقيقات إلى أن "تيمور" من مواليد بغداد، وأنه هاجر طفلا إلى السويد التي حصل على جنسيتها ثم انتقل إلى لندن لاستكمال دراسته، وهناك انزلق إلى التطرف واعتنق العنف كأسلوب ومنهاج في التعبير عن احتجاجه. والحق أنه طرد من أحد المساجد في بريطانيا عندما بدأت تظهر ميوله العنيفة. وقد هزت هذه المحاولة الرأي العام السويدي الذي كان يعتقد أن بلاده بمنأى عن الإرهاب الذي استهدف مدن أوروبا الغربية والولايات المتحدة. هذا التخوف من المسلمين في السويد، عكسه صعود الحزب "السويدي الديمقراطي" الذي استطاع أن يحقق عدداً قياسياً من مقاعد البرلمان، علماً بأنه من أشد المعارضين لفتح باب الهجرة إلى السويد وباقي أوروبا. ولعل ما كشفته هذه المحاولات الفاشلة، أو المجهضة، أنها أُحبطت بسبب الحظ العاثر للإرهابيين أنفسهم ولعجزهم عن تفجير السيارات والمواد المتفجرة. لكن "القاعدة" وفروعها لم ترفع بعد أيديها، وربما لن تكف عن تكرار محاولاتها من خلال الاستمرار في تجنيد الأتباع، سواء في صفوف مواطني الدول الإسلامية أو المسلمين المولودين في بلدان غربية، لضرب الغرب واستنزاف قواه وخلق الفوضى وبث الشعور بعدم الطمأنينة. ولا ننسى أيضاً، ونحن نرصد تنامي المحاولات الإرهابية في أوروبا والولايات المتحدة، وضع الإرهاب في إطاره الأوسع بعد أن بات يستهدف الجميع ولا يخص الغرب وحده، لاسيما ونحن نرى ما تشهده بلدان إسلامية، مثل أفغانستان والعراق، من عمليات يذهب ضحيتها المسلمون، بالإضافة إلى العلميات المتفرقة التي تهز بين الحين والآخر دولا شرق أوسطية، مثل ما حصل مؤخراً في إيران، والمحاولات التي تستهدف السعودية واليمن. وإذا كان من غير المتوقع أن تشهد السنوات القادمة تراجعاً لظاهرة الإرهاب، فإنه يتعين على الأجهزة الأمنية الاستعداد الجيد وتوخي أقصى درجات الحذر، للاستمرار في إفشال العمليات الإرهابية، حتى وإن كان التصدي للإرهاب يأتي أحياناً بانعكاسات سلبية؛ ومن ذلك مثلا الجدل الذي أثير حول أجهزة المسح الضوئي التي تصور الجسد خلال المراقبة، والتداعيات التي يعاني وسيعاني منها المسلمون عموماً في أوروبا والولايات المتحدة، والنظرة السلبية التي ستلاحقهم لفترة قد تطول أو تقصر حسب القوانين الداخلية والنظرة المجتمعية لكل بلد غربي على حدة.