عاشت الكويت في الآونة الأخيرة مخاضاً عسيراً في مسيرتها الديمقراطية، وحلّ اختلاف كبير حول تطبيق وتفسير بنود الدستور الكويتي بين الحكومة ومعارضيها من نواب مجلس الأمة وجمهور المجتمع الكويتي. ولئن كانت الاختلافات إشارة إيجابية في المسيرة الديمقراطية، حتى لا يكون النواب نسخاً كربونية عن الوزراء في الحكومة، إلا أن الحالة الكويتية بدت غريبة وعصية على الفهم، إذ لم يكن في حسبان أي مواطن كويتي أن يصل الاختلاف في وجهات النظر إلى مواجهة بين قوات الأمن ومواطنين يحضرون ندوة تستخدم فيها الكلمات! ولقد تناقض الإعلام تناقضاً واضحاً عندما أخفى بعض الصور التي بثتها الفضائيات داخل الكويت وخارجها! وبرزت بعض الشواهد التي بينت أن إصابات قد حصلت إثر مواجهة قوات الأمن مع المواطنين والنواب في ديوانية النائب جمعان الحربش؛ إثر مشاركتهم في ندوة بعنوان: "إلا الدستور". وقد صدرت عدة بيانات من مؤسسات ومنظمات حقوقية كويتية وخليجية عبّرت عن أسفها لما حدث في الكويت المعروفة برحابة الصدر وبأنها ملاذ أصحاب الرأي، بل وأصحاب القضايا العادلة، ولطالما قدمت لهم العون والمساعدة لتحقيق أهدافهم العادلة. وقد عقدت جمعيات النفع العام الكويتية والاتحاد العام لعمال الكويت اجتماعاً تشاوريّاً في جمعية الخريجين صدر عنه بيان رفض لاستخدام العنف ضد المواطنين العزل، كون هذا الاستخدام لا ينسجم مع الحريات التي كفلها دستور الكويت ونظمتها المبادئ الدستورية العامة؛ خصوصاً المادة (44) التي تضمن حق الأفراد في الاجتماع والاجتماعات العامة. واعتبرت الجمعيات أن ما حدث في ديوانية (الحربش) يمثل جنوحاً نحو التضييق على الحريات العامة؛ ويعرقل التطور الديمقراطي في الكويت لبناء دولة مدنية دستورية حديثة. كما أكدت جمعية المحامين الكويتية على الثوابت الدستورية المتمثلة في الكرامة الإنسانية والمساواة بين أفراد المجتمع وحرية الرأي والتعبير التي نص عليها الدستور الكويتي. كما أصدرت الجمعية الكويتية لمناهضة التمييز بياناً يأسف لإصدار مذكرة توقيف أستاذ القانون الدكتور عبيد الوسمي بتهمة التطاول على الذات الأميرية؛ واعتبرت ذلك من الأمور المرفوضة جملة وتفصيلاً، وأنه ينم عن ضيق صدر السلطة بالآراء المخالفة لها. كما أصدرت جمعية حقوق الإنسان في الكويت بياناً رفضت فيه العنف الذي تعرض له الخبير الدستوري عبيد الوسمي. ودعت النائب العام والسلطات المختصة إلى إطلاق سراح الوسمي حتى يُقدم للمحاكمة، والتأكد من تمتعه بحقوقه الكاملة ودون تعريضه لأي أذى معنوي أو جسدي. كما أصدرت هيئة التدريس بجامعة الكويت بياناً رفضت فيه ما تعرض له الدكتور الوسمي وأدانت الاعتداء عليه؛ وأن ذلك صعق الشعب الكويتي. واستنكر المنبر الديمقراطي الكويتي الأحداث التي جرت في ديوانية النائب (الحربش) وما قامت به قوات الأمن، ودعا البيان الجميع إلى الحفاظ على الوحدة الوطنية. وأشار إلى أن الاعتداء على النواب والمواطنين قد تم بعد أن أعلن منظمو الندوة إيقافها، ودعوا الحضور إلى الانصراف والتفرق. ورفض البيان أن يكون ما قامت به قوات الأمن وقع بأمر من الأمير، مشيراً إلى أن سموه لا يأمر باستخدام العنف المفرط وضرب أبنائه الذين لم يكن لهم ذنب سوى حضور اجتماع سلمي في قضية مهمة تتعلق بتضييق حق النواب في ممارسة صلاحياتهم وواجباتهم في الرقابة وفقاً للدستور؛ مؤكداً أن "حق الاجتماع دون حاجة لإذن أو إخطار سابق مكفول بنص الدستور" مادة (44). كما أن المحكمة الدستورية حكمت بعدم دستورية المرسوم بقانون لعام 1979 أثناء حل مجلس الأمة، الذي جاء لتقييد حق كفله الدستور. كما ذكّر المنبر الديمقراطي في بيانه بالمادة رقم (31) من الدستور التي تقول: "ولا يعرض أي إنسان للتعذيب أو المعاملة الحاطة بالكرامة". ودعا إلى المحافظة على الوحدة الوطنية وعدم زرع الفتنة والتمزق بين أبناء الوطن، واستخدام الحوار الديمقراطي السليم للحفاظ على المكاسب الدستورية ومواجهة كل المحاولات الخبيثة التي تهدف إلى المساس بأحكام ومبادئ الدستور. ودعت منظمة "هيومن رايتس ووتش" إلى عدم استخدام العنف لتفريق التجمعات السياسية السلمية. وذكّرت بالمادة (44) من الدستور الكويتي المتضمنة حق الأفراد في التجمع دون الحاجة إلى إذن. وأن الكويت طرف في العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية، وبأن المادة (21) من العهد تحمي الحق في التجمع السلمي. وأضافت أنه لا يجوز لقوات الأمن حضور الاجتماعات الخاصة. وطالبت المنظمة بإجراء تحقيق مستقل بشأن الحادثة التي نتجت عنها إصابة 4 نواب بالإضافة إلى جرح بعض الحضور. كما طالب مثقفون وأكاديميون وصحافيون خليجيون في بيان لهم بالمحافظة على الوحدة الوطنية والالتزام بمبادئ الدستور الكويتي الذي يضمن حرية الاجتماعات والتعبير، وعدم اللجوء إلى العنف في مواجهة الأحداث التي تتعرض لها الكويت. وكنا قد تابعنا برنامجاً من تلفزيون الكويت الرسمي حيث استضاف أربعة من كبار رجال الأمن في الكويت، ومنهم قائد العمليات في مسرح (الحربش). وقد دافع هؤلاء عن موقف القوات الخاصة، وأنه لم يصدر عنها ما يشير إلى استخدامها القوة ضد حضور الندوة، وأن وجود هذه القوات إنما كان لتنبيه الحضور وحثهم على الانصراف. كما رفضوا كسر يد النائب الطبطبائي، وقالوا إنه جرح عندما وقع على الأرض بحكم التدافع. كما برر القانوني بوزارة الداخلية الإجراءات التي تم استخدامها رافضاً تعارضها مع أحكام الدستور. وعلى علاقة بالموضوع حسم أمير الكويت خلال لقائه رؤساء تحرير الصحف الكويتية الأمر بتأكيده أنه المسؤول الأول عن البلاد، وأنه أعطى الأمر بحفظ الأمن والأمان؛ مشيراً إلى أنه لن يقبل أبداً بندوات "تحريض الناس والفتنه"، مؤكداً عدم وجود نية لتعديل الدستور. إذن هذه هي الصورة الأخرى في مسيرة الديمقراطية في الكويت. وتلك هي الآراء والشواهد المضادة، وهو أمر عادي في مسيرة أية ديمقراطية. والمهم ألا يتم تجاوز الدستور في إجراءات ولا تضيع الحقوق وبالتالي يتم الإخلال بالواجبات. ونحن إذ عرفنا الكويت أرضاً للسلام والمحبة والثقافة والفنون والحوار، لواثقون بأن المختلفين سيعودون إلى رحابة الصدر، واتساع العقول، ويساهمون في تنمية بلدهم وإزالة المنغصات التي تعترض المسيرة التي أعجبنا بها في دولة الكويت. وأن المخطئين بكافة أطيافهم وانتماءاتهم ومناصبهم سيقدمون لمحاكمة عادلة. وهذا هو العزاء في الديمقراطية.