نشر ذلك العدد الهائل من برقيات السفارات الأميركية في مختلف أنحاء العالم، والتي ظهرت على موقع ويكيليكس الشهر الماضي، يعد عملاً طائشاً بكافة المقاييس، ويبعد كل البعد عن نمط التغطية الإخبارية للسياسة الخارجية، كما عرفته إبان عملي في الصحافة. عندما كنت متحدثا باسم وزارة الخارجية في إدارة الرئيس ريجان، تلقيت مكالمة هاتفية من "جون كالب"، المراسل الدبلوماسي لشبكة "إن بي سي" يبلغني فيها أن الأشرار في بيروت قد أسروا ضابطاً من وكالة الاستخبارات المركزية الأميركية ويحتفظون به في مكان سري. قلت له: بيرني! (كان هذا هو الاسم الذي أخاطبه به) سوف أتحدث عن ذلك بشرط ألا تنشر شيئاً عنه. رد "بيرني": مستحيل! لأنني لو فعلت ذلك فلن أستفيد منه. قلت له منهياً المحادثة: حسناً! هذا هو شرطي. انظر ماذا ستقول شبكتك. وافقت الشبكة على شرطي، وأخبرت "بيرني" أن الضابط المحتجز في بيروت هو مدير محطة استخبارات "سي. آي. إيه" في بيروت، وأنه ليس معروفاً ما إذا كان خاطفوه يدركون صلته بالوكالة أم لا. كنت أعرف أن "بيرني" لو مضى قدماً، ونشر ما قلته له فإن ذلك الضابط سيقتل. والتزمت الشبكة بوعدها ولم تنشر شيئاً عن القصة. لكن الذي حدث للأسف الشديد هو أن الخاطفين عذبوا الضابط، واكتشفوا شخصيته، وقتلوه في نهاية المطاف. كان ذلك مثالاً كلاسيكياً للثقة التي يجب توافرها بين المراسل الدبلوماسي وبين الموظف الحكومي. وهو نمط العلاقة الذي كان يقوم بشكل منتظم بين موظفي وزارة الخارجية في واشنطن والمراسلين الدبلوماسيين. وفي بعض الحالات كان الصحفيون يحاولون التأكد من مدى صحة إشاعة منتشرة. وفي بعض الحالات الأخرى كان الدبلوماسي يقدم للصحفي خلفية عن الوضع، ويخبره أن هذه الخلفية للعلم فقط حتى يدرك ماذا يدور من إشاعات، لكن المعلومات المقدمة -لأسباب معينة- غير قابلة للنشر، سواء في الوقت الذي يكلمه فيه أو بعد ذلك. ومن تلك المعلومات مثلاً أن السفارة الأميركية في بلد ما قد وفرت ملاذاً في مقرها للمنشقين عن الحكومة؛ وأن دبلوماسياً أجنبياً قد مُنع من السفر لأنه في الحقيقة ليس سوى ضابط استخبارات رفيع المستوى يقوم بتجنيد علماء ذرة أميركيين؛ وأن دبلوماسياً أميركياً قبض عليه أمام السفارة الأميركية في طهران عندما احتلها المتطرفون، لكن تم التحفظ عليه في مكان آمن من قبل دبلوماسيين من دولة أخرى لعدة شهور. والاتفاقات وتبادل المعلومات أمر يحدث يومياً بين الصحفيين المسؤولين وبين الدبلوماسيين الكبار، وعادة ما يكون لدى الطرفين فهم كامل حول ما الذي يمكن نشره من معلومات. معظم البرقيات التي تم تسريبها عن طريق موقع ويكيليكس ذات أهمية محدودة. بل الحقيقة أن معظم البرقيات المرسلة من السفارات الأميركية في الخارج إلى واشنطن، لم تكن تختلف في طبيعتها عن البرقيات التي يرسلها المراسلون الدبلوماسيون إلى الشبكات التي يعملون بها. فمن المعروف أن المراسلين يرسلون أنباء عن المحادثات الرسمية مع القادة الأجانب، ثم يحاولون بعد ذلك تحليل الدوافع والنوايا الحقيقية للحكومات الأجنبية. وفي بعض الأحيان يحدث أن تكون هفوات القادة الأجانب وأطوارهم الغريبة شيئاً جديراً بالتسجيل. فهناك برقية تشبه رئيس وزراء روسيا ورئيسها السابق "فلاديمير بوتين"، وكذلك رئيسها الحالي" ديمتري ميدفيديف"، بشخصيتين رئيسيتين في أحد أفلام الحركة هما "باتمان وروبن". مع ذلك فإن بوتين لم يدهش لذلك، وليس هناك احتمال لقيام روسيا بقطع العلاقات الدبلوماسية مع الولايات المتحدة على خلفية هذا الأمر. وهناك برقية أخرى مرسلة من السفارة الأميركية في باريس، تثني على الرئيس ساركوزي وتصفه بصديق أميركا القوي، لكنها تصفه أيضاً بأنه "زئبقي"... وهو شيء ليس بالجديد حيث يشار إلى أن ما لا يقل عن نصف دستة من الصحفيين الفرنسيين كان قد سبق لهم أن وصفوا رئيسهم بهذا الوصف. والحقيقة أن ما كتبه الدبلوسيون الأميركيون ليس بالأمر غير المألوف في مجال السياسية الخارجية، وهو ما يتبين بوضوح مما قاله أحد وزراء الخارجية لهيلاري كلينتون وهو: "يجب أن تروا ما نقوله عنكم نحن أيضاً". وهناك معلومات أكثر أهمية بكثير تكشفت من خلال تسريب تلك الوثائق، منها على سبيل المثال أن الولايات المتحدة قد اتخذت خطوات لنقل مخزون باكستان من اليورانيوم المخصب خوفاً من وقوعه في أيدٍ معادية، وهو أمر في غاية الخطورة إذ قد يؤدي الكشف عن أي معلومات حوله إلى إعاقة جهد الولايات المتحدة في هذا الشأن. خلال الفترة التي خدمت فيها في وزارة الخارجية، كثيراً ما حضرت اجتماعات في عواصم أجنبية مع رؤساء دول كانوا يهاجمون شخصيات منافسة لهم، ويهاجمون حكومات أجنبية في السر، لكنهم يدلون في العلن بتصريحات يتحدثون فيها عن علاقاتهم الوطيدة مع تلك الشخصيات والدول. إن المراسلين الدبلوماسيين الموثوقين يعرفون كيف يجمعون المعلومات، ويطعّمون برقياتهم بالتفاصيل التي تجعل منها برقيات ذات عمق، دون أن يحرجوا المصادر التي استقوا منها تلك المعلومات، والتي يجب أن تظل محمية. إن قيام ويكيليكس بتجميع عشوائي لعشرات الآلاف من البرقيات السرية المسربة، وعرضها علناً أمام العدو والصديق لا يعبر عن صحافة مسؤولة، كما لا يوجه ضربة للشفافية، وإنما هو في رأيي عمل من قبل ناشط مدفوع بدوافع سياسية ويريد الإضرار بالولايات المتحدة. ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ينشر بترتيب خاص مع خدمة "كريستيان ساينس مونيتور"