هناك بعض الأخبار التي تبثها وكالات الأنباء العالمية يتطلب منا الوقوف عندها والتأمل فيها. إما لأنها لا تخلو من بعض الدلالات والرسائل التي يمكن الاستفادة منها في تجارب الآخرين، أو لأنها درس يمكن أن نأخذ منه العبر في كيفية الخروج من إطار التفكير التقليدي المعتاد لدينا، بعد أن تعقدت المشكلات وتطلبت حلولاً مبتكرة. وهناك الكثير من قضايانا المجتمعية ينطبق عليها التفكير النمطي؛ لذا فنحن إما أن نحوم حول المشكلة أو نطرح حلولاً وقتية، وبعدها نعود إلى المربع رقم واحد، فيكون الترحيل هو الحل الأنسب. والخبر الذي أتحدث عنه قادم من العاصمة البريطانية، لندن، إحدى الدول التي لا يختلف عليها اثنان في منح مواطنيها كافة حقوق المواطنة السياسية والاجتماعية، ولا في قدرتها على تقديم كل الخدمات لمواطنيها؛ لأنها تملك الثروات لتحقيق ذلك، لكنها تريد أن تعلّم المواطن البريطاني أسباب ارتقاء مجتمعه ودولته. الخبر يقول: إن الحكومة البريطانية قررت إجبار مواطنيها العاطلين عن العمل على القيام بأعمال متواضعة؛ مثل كنس الشوارع، وقص الحشائش، وغيرها من الأعمال البسيطة مقابل الحصول على المزايا الاجتماعية التي ينالونها أسبوعياً والمقدرة بمائة دولار أميركي فقط. وأنها سوف تجبر مواطنيها العاطلين، الذين استلموا تلك المزايا من قبل ولفترات طويلة، على القيام بهذه الأعمال لمدة أربعة أسابيع قبل الحصول على شيك جديد بتلك المزايا. كل هذا ليس من أجل تحقير المواطن أو الانتقاص من كرامته، وإنما من أجل زرع "قيمة العمل" لدى المواطن البريطاني، الذي بدأ يترفع عن بعض المهن البسيطة وتركها للعامل القادم من الدول الأخرى، خاصة إسبانيا وأوروبا الشرقية. المسألة بالنسبة لي لا تتعدى فكرة الاستفادة من التجربة البريطانية في كيفية معالجة قضية مجتمعية تعانيها المجتمعات الخليجية من منطلق "ثقافة العيب" التي نرددها دون بحث عن أسلوب مبتكر وغير تقليدي لمعالجتها. إن نشوء القضية وحدوثها لم يكن طبيعياً؛ لذا فالحلول لابد أن تكون غير طبيعية أيضاً. لقد تراجعت قيمة العمل لدينا، ليس فقط في مهن الآباء والأجداد بل وصلت إلى مهن كنا نصنفها يوماً ما كوظائف محترمة، وبتنا نستقطب لها عمالة من مختلف دول العالم، ورسخنا مشكلة البطالة بسببها، رغم أن دولنا "ولادة للوظائف" ولادة طبيعية لأننا دول نامية. وأصبحت مهننا التي خلقت جيلاً ساهم في بناء دولنا محتَكَرة على الوافد، وصعب علينا نفسياً وعملياً الدخول أو العمل فيها. المشكلة ليست في وجود البطالة، لكنها في عدم وجود حلول مبتكرة، أو كما يسمى التفكير خارج الصندوق. هناك الكثير مما يمكن تعلمه من مثل ذلك الخبر. دائرة ثقافة العيب الوظيفي في الخليج تتسع وتكبر مثل كرة الثلج، وباتت تشمل وظائف أبعد مما تطلبه الحكومة البريطانية من مواطنيها العمل فيها. الترفع عن العمل لم يكن من خصوصيات المجتمعات الخليجية في الماضي. وبالعودة إلى الوراء قليلاً سنجد أن أساس المهن في الخليج هي التي "احتكرها" الوافد اليوم واستفاد منها مادياً وأصبحت تدر عليه دخلاً محترماً، لكن ثقافة العيب هي التي تحتاج إلى حل مبتكر باعتبارها عقبة كبيرة. رفع قيمة العمل مهما بلغت الوظيفة من مستوى هو وحده الذي يمكن أن يرفع مستقبل الدول، هكذا فكرت بريطانيا. نحن نحتاج إلى برامج تعمل على تغيير بعض القناعات؛ ومنها الترفع عن إدراك قيمة العمل.