كثيراً ما يفسر النجاح الكبير الذي حققته الصين بصفتها دولة عظمى حديثة صاعدة، بسرعة نموها الاقتصادي، وكثافتها السكانية، وهما ميزتان تقزّم بهما الصين غالبية الدول الصناعية الكبرى. فهي تلي الولايات المتحدة الأميركية في المرتبة الثانية مباشرة من ناحية حجم اقتصادها الوطني عالمياً. وبفضلهما تبوأت الصين مكانة متقدمة في المسرح الدولي. لكن الذي يغيب عن الكثيرين أن الصين لا تزال تستمد جزءاً مقدراً من سياساتها الخارجية الحديثة، من إرثها التاريخي. وهذا هو الجانب الذي يسلط عليه الضوء "كريستوفر إي. فورد" مؤلف كتاب "الذهن الإمبراطوري... تاريخ الصين والعلاقات الخارجية الحديثة"، والذي نعرض هنا. فاعتماداً على خبرته الدولية والدبلوماسية الواسعة، يتقصى المؤلف هذه الصورة الذاتية للصين ويؤرخ لدورها في النظام السياسي الدولي منذ عصر كونفوشيوس وإلى اليوم. ورغم حداثة الدور الدبلوماسي العالمي الذي تقوم به الصين، فهي لا تزال تهيمن عليها رؤية تراتبية فوقية للسياسات الدولية، ولا يهدأ لها بال إلا في العلاقات الخارجية التي تعزز صورتها الوطنية الخاصة، القائمة على شعور عميق بالتفوق السياسي والأخلاقي على بقية العالم. وحسب المؤلف، فقد سبّب هذا السلوك للصين كثيراً من التوتر مع الغرب، لكونه ينطلق هو الآخر من تصور ذاتي لنفسه يقوم على مركزية غربية تتعارض مع تصور الصين لنفسها على أنها مركزية وطنية مستمدة من الجذور والتاريخ. ويحذّر المؤلف من أن هذا الإرث التاريخي الصيني سوف يواصل دوره في تشكيل سياسات بكين الخارجية. فذلك هو منطق الذهن الإمبراطوري الذي يحكم علاقات الصين الخارجية مع بقية دول العالم الأخرى. وفي هذا السياق يدرس المؤلف مجموعة من الأفكار الأساسية التي تحكم فهم الصين لنظامها الداخلي في علاقته بالنظام السياسي العالمي، ليرجح استمرار تأثير ما وصفه بالمركزية الصينية على سياسات بكين الخارجية. وما كان ممكناً لهذا التشخيص الذي توصل إليه الكاتب أن يتم دون نسج خيوط الفلسفة والأديان والثقافات والامتداد التاريخي للصين في عمق الحضارات الشرقية القديمة. فمنذ قرن وإلى الآن لم تحقق أي دولة الصعود العالمي الذي حققته الصين. فقد أصبحت دون شك، قوة عالمية عظمى بفضل حجم وسرعة نموها الاقتصادي، وبما لها من قوة عسكرية ضاربة، إضافة إلى سرعة نموها السكاني الهائل. وخلال العقدين الماضيين تزايدت معدلات الرفاهية التي يعيشها الشعب الصيني، ما وضع الصين في مرتبة متقدمة بين أمم العالم. ومع ذلك يظل التناقض قائماً بين هذه الحداثة التي تجترحها الصين، وبين كونها لا تزال تستمد مبادئ سياساتها الداخلية والخارجية من إرثها التاريخي. بعبارة أخرى، فإن حاضر سياسات بكين المعاصرة، لا تزال تحركه الذهنية الإمبراطورية التي حكمت الصين منذ عصر كونفوشيوس. وتقوم المفاهيم الفلسفية لكونفوشيوس على نظام التراتب السياسي، والجغرافية الأخلاقية التي تضع الصين في مركز العالم المتحضر. وفي سياق هذه الدراسة، يلاحظ المؤلف أن "الثورة الثقافية" التي شنها ماو تسي تونج، قد استهدفت بالأساس نفي كل ما له علاقة بالكونفوشيوسية والإرث الإمبراطوري الذي عده الزعيم الشيوعي أساساً فكرياً قام عليه تبرير النظام الإقطاعي الجائر الذي حكم الصين لعدة قرون سابقة لاندلاع الثورة الاشتراكية. لكن رغم ذلك، فقد أسفرت الممارسة العملية اللاحقة للثورة الصينية منذ أواخر الستينيات عن تطوير أيديولوجية وطنية ترتبط ارتباطاً عضوياً بجذور الماضي الصيني البعيد. وعليه فإنه يصعب فهم المبادئ العامة الموجهة لسياسات بكين الخارجية وعلاقاتها الدولية، دون فهم هذا الارتباط الوثيق بين الحاضر والجذور الفلسفية التاريخية التي تنطلق منها هذه السياسات. وفي الوقت نفسه، فإن في هذا الارتباط العضوي بين الحاضر والماضي، ما يسبب للصين كثيراً من التوتر في علاقاتها الدولية، خاصة مع الغرب الذي ينطلق نحوها من مركزية خاصة به، متصارعة مع المركزية الصينية بحكم تضارب الرؤى والمصالح بين المركزيتين المهيمنتين شرقاً وغرباً. عبد الجبار عبد الله الكتاب: الذهن الإمبراطوري... تاريخ الصين والعلاقات الخارجية الحديثة المؤلف: كريستوفر إي. فورد الناشر: مطبعة جامعة كنتاكي تاريخ النشر: 2010