قررت لجنة المتابعة العربية التي انعقدت بالجامعة العربية بالقاهرة، الاتجاه إلى مجلس الأمن بطلبٍ محدَّد، هو اتخاذ قرارٍ تحت "الفصل السابع" يطالب إسرائيل بوقف الاستيطان. وتوصلت اللجنة إلى هذا القرار بعد أن عرض عليها رئيس السلطة الفلسطينية تقريراً تضمَّن ثلاثة أمور: المحادثات مع الأميركيين بعد انقطاع التفاوض مع إسرائيل لعودتها إلى الاستيطان، وقرار أوباما بالتوقُّف عن مطالبة إسرائيل بوقف الاستيطان بعد أسابيع من الإغراءات والضمانات الجمّة التي لم تُثمر، وأخيراً محادثات عباس مع ميتشل الذي جاء إلى المنطقة قبل أيام ليُطْلِعَ الإسرائيليين والفلسطينيين على الخطة الأميركية الجديدة للمُضيّ في عملية السلام. وكان هناك أمرٌ رابعٌ شارك فيه عبّاس، ووزراء عرب آخرون، والذين أجْروا اتّصالات بالأميركيين وبالأوروبيين والروس والصينيين في الأسبوعين الماضيين. وهكذا فالقرار الذي اتخذه العرب بالجامعة، كان قراراً مدروساً، وهو يحفظ الحقوق العربية، ويعطي صدقيةً للسلطة الفلسطينية، وبذلك يراعي ثلاثة أمور: الأول أنه يراعي الأميركيين رغم الخذلان الذي تسبّبوا في إنزاله بنا، فالعرب يذهبون إلى مجلس الأمن ليس لإصدار قرارٍ بإقامة الدولة الفلسطينية المستقلة، وقد هدَّدت الولايات المتحدة باستعمال حقّ الفيتو هناك، بل يطلبون فقط إيقاف الاستيطان وفقاً للقرارات الدولية. وكان هذا الأمر طوال السنتين الماضيتين أحد المطلبين الفلسطينيين من أجل القبول باستمرار التفاوض: وقف الاستيطان، وتحديد المرجعية. أمّا الأمر الثاني الذي راعاه العرب فهو حفظُ الصدقية. فقد قالوا منذ بدء المفاوضات غير المباشرة إنهم لن يتنازلوا عن هذين الشرطين: وقف الاستيطان، وتحديد المرجعية. والصدقيةُ ليس المعْنيُّ بها فقط الموقف الثابت تُجاه الأميركيين والمجتمع الدولي؛ بل وبالدرجة الأُولى الصدقية تُجاه الجمهور الفلسطيني والعربي، والذي خاطبته منظمة التحرير قبل حوالي العقدين وما تزال، بأنه يمكن تحقيق هدف إقامة الدولة المستقلة عبر التفاوض لإنفاذ القرارات الدولية. والمسؤولون الفلسطينيون والعرب يقولون الآن لهذا الجمهور إنهم -وبدون مغادرة الوسيلة السلمية- يطوِّرون استراتيجيةً أُخرى هذه أُولى خطواتها، ودائماً لتحقيق الهدف المنشود. فالصدقية إذن صِدْقيتان: مخاطبة الولايات المتحدة والمجتمع الدولي (والجمهور الإسرائيلي) بأنه لا تنازُلَ عن هدفي: جلاء الاحتلال، وإقامة الدولة، ومخاطبة الجمهور الفلسطيني والعربي بأنّ الهدفين باقيان ولا تنازُلَ عنهما، ولا ينبغي اليأس ولا اللجوء إلى الانتحاريات التي جُرّبتْ من قبل، وكانت نتيجتُها ظهور الدويلة في غزّة، والتي أضرَّت بالشعب الفلسطيني، وما أضرَّت بالكيان الصهيوني. والطريف أنّ الرافضين لتعليق التفاوُض على وقف الاستيطان، فريقان عربيان؛ أولهما يتمثّل بحركات المقاومة (مثل "حماس" و"حزب الله")، ويرى أنّ التسوية انتهت وفشلت، وعلى العرب أن يمضوا إلى الحرب. والثاني يمثّله الرئيس السوري، ويرى أنّ المستوطنات لا تشكّل عائقاً أمام التفاوض إذا كانت المرجعيةُ واضحة، وهي: التفاوُض على جلاء الاحتلال. والواقع أنّ تحدِّيَ الاستيطان أَضخَم وأَفظَع على الفلسطينيين، لأنه يكاد يفترس القدس بكاملها، ثم إنه بالنسبة للضفة الغربية، وحتّى إذا أقررنا مسألة تبادُل الأراضي بالتكافؤ، فإنّ المستوطنات والسور العازل، تُغيِّر الشكل التاريخي للضفة، وتدفع لتهجير مئات ألوفٍ جديدةٍ من الفلسطينيين. أمّا الأمر الثالث الذي راعته لجنة المتابعة العربية، فهو المواقف الإيجابية لأطراف رئيسية في المجتمع الدولي ضد استمرار الاحتلال الإسرائيلي، ومع قيام الدولة الفلسطينية المستقلّة. فهناك أربع دول في أميركا اللاتينية هي البرازيل والأرجنتين والأورغواي وبوليفيا، قررت الاعتراف بالدولة الفلسطينية. ثم إنّ الاتحاد الأوروبي في اجتماعه الأخير بحث الفكرة نفسَها، مع العلم أنّ دولاً كبرى مثل روسيا والصين والهند، تملك التوجُّه نفسَه. وستظهر معظم هذه المواقف أثناء مناقشة قرار وقف الاستيطان في الأُسبوع القادم على أبعَد تقدير. وبذلك فالتوجُّه إلى مجلس الأمن يُعتبر مُلاقاةً للرأي العامّ العالمي، والذي ما عاد يقبل أن تبقى فلسطين أرضاً محتّلةً إلى أجلٍ غير مُسمّىً، كما أنه -أي التوجُّه إلى مجلس الأمن- يُحرِّر القرار العربيَّ من السطوة الأميركية. ولنعُدْ بالذاكرة قليلاً إلى الأسابيع الستة التي سبقت اتّخاذ القرار العربي. فقد توقفت المفاوضاتُ المباشرةُ عندما عادت إسرائيل إلى الاستيطان. وبذل الأميركيون جهوداً جبّارةً قبل الانتخابات النصفية وبعدها "لإغراء" إسرائيل بوقف الاستيطان ولو لثلاثة أشْهُر! وكانوا يرجون أن تتبلور خلال ثلاثة شهور تسْويات بشأن الحدود، وبشأن إعلان الدولة. وكانت المغريات الأميركية لنتنياهو ضخمةً وهائلة، لكنه ما وافق، ليس بسبب حرصه على مئاتٍ جديدةٍ من المستوطنات، بل لأنه لا يقبل بحدود عام 1967 للدولة الفلسطينية، كما لا يقبل بالتخلّي عن القدس الشرقية، فيتهرب من التفاوض، لذلك فقد أضاع عاماً ونصف العام في بحث مسائل الأمن وضماناته، وفي التدلُّل على الأميركيين بالتهديد الإيراني، وفي الطلب من العرب مباشرةَ إجراءات بناء الثقة عبر إقامة علاقات مع إسرائيل، وأخيراً وليس آخراً بالاشتراط على الفلسطينيين الاعتراف بيهودية دولة إسرائيل! وقد قالت عدة أطرافٍ عربيةٍ لأوباما ووزيرة خارجيته إنّ إسرائيل لا تريد السلام، بل التفاوُض من أجل التفاوُض، والحصول على مزيدٍ من المال والسلاح من الولايات المتحدة. لكن الرئيس الأميركي ووزيرة خارجيته أَنكرا ذلك، وذهبا إلى أنّ نتنياهو يريد السلام، لكنه يُعاني من حلفائه في الحكومة، وينبغي تشجيعه على تجاوُزِهِمْ أو الاستغناء عنهم، بيد أنّ الأميركيين قرروا فجأةً قبل حوالي الأسبوعين تغيير سياستهم تُجاه العلمية السلمية. قالوا إنهم لن يطلبوا من الطرفين العودة للتفاوض المباشر، ولن يطلبوا من إسرائيل وقف الاستيطان. بل سيقوم ميتشل بمفاوضات متوازية، أي سيوجِّه أسئلةً إلى نتنياهو بشأن مسائل الحلّ النهائي، وإلى الفلسطينيين بشأن تصوراتهم حول المسائل نفسها. وأعلن الإسرائيليون ارتياحهم لذلك، بينما اعتبر الفلسطينيون هذا التكتيك عجزاً وضعفاً من الأميركيين، وقالوا إنهم لن يشاركوا في هذه اللعبة، بشكلٍ مُتَوازٍ أو غير مُتوازٍ. وقضى الأميركيون أُسبوعاً قبل الوصول إلى تسمية للسياسة الجديدة، وقالوا بناءً على نصيحة دنيس روس إنّ المقصود التوصُّل إلى "اتفاق إطار"، تقوم على أساسه الدولة الفلسطينية، ثم يجري التفاوُض على المسائل التفصيلية. وهذا مسمًّى آخر للحلّ المؤقَّت الذي كان يسعى إليه شارون، والذي لا يحلُّ مسائل القدس واللاجئين والحدود، ويُبقي الدولة الجديدة تحت وطأة الاحتلال (رغم الاستقلال!) إلى أجلٍ غير مُسمًّى! إنّ الأمر الوحيد الذي أنجزه ميتشل في العامين الماضيين هو إخراج المنطقة من خانة المراوحة والتي كانت إسرائيل راضيةً عنها، كما كانت حركات المقاومة الإسلامية راضيةً أيضاً. أما اليوم فالمنطقة إمّا أن تتّجه إلى السلم الشامل أو إلى الحرب الشاملة. وإذا كان الأميركيون عاجزين؛ فإن دُعاة السلام العرب يواجهون الآن تحديات مصيرية، بعد أن تضاءلت الآمالُ بالسلام. وها هم الإسرائيليون يعودون للتهديد بالحرب، التي يُهدِّدُ بها أيضاً "حزب الله" و"حماس". فالتوجُّه إلى مجلس الأمن سليم، لكنه قد لا يكون كافياً للاحتفاظ بآمال السلام أو تقويتها لدى أهل المنطقة؛ فكيف إذا استخدمت الولايات المتحدة "الفيتو" لمنع قرارٍ بشأن الاستيطان؟!