على مر التاريخ كان الشباب هم أكثر الشرائح الاجتماعية دفعاً لثمن العنف الذي يترتب على التعصب الأعمى للهوية، وسوء فهم ثقافة الآخر، لكنهم ظلوا، ولا يزالون، الفاعل الأكبر في هذه العملية الدموية المتواصلة، حيث لعبوا أدواراً متعددة على هذا الدرب، فهم إما كانوا محركين للأحداث نظراً لارتفاع درجة "الطاقة الغضبية" لديهم بفعل عوامل جسمية ونفسية واجتماعية عديدة، أو كانوا حطباً لنيران العنف الناجم عن تصارع الهويات وتصادمها. إن من يمعن النظر في كم الأحداث والوقائع وفي كيفها أيضاً، سيجد الشباب ضالعين في أغلب ما يجري، أو أنهم في قلب المشهد، مؤثرين ومتأثرين. فالتباغض والاحتقان الطائفي قد يثيره الطاعنون في السن أحياناً، لكن الشباب هم من يترجمونه إلى عنف مادي. وكثير من الصراعات التي يتأجج أوارها في كافة "البؤر الساخنة" على سطح الأرض، تذكيها سواعد الشباب، لأنهم ببساطة هم المجندون في الجيوش النظامية والمنخرطون في حركات المقاومة والمكونون للجسم الرئيسي في تنظيمات الإرهاب وجماعاته، أيّاً كانت بواعث الإرهاب ومقاصده. وأغلب هذه الأفعال العنيفة محالة إلى التعصب الأعمى للهويات تارة، وإلى الهويات التي تنطوي على أفكار تدعو إلى كراهية الآخر ونبذه تارة أخرى. ومرحلة الشباب هي أعلى المراحل العمرية ارتباطاً بالانتماءات الأولية وانحيازاً للأفكار والسرديات الكبرى المطروحة، ومن ثم فهي أكثر وقت للتأثر بكل الثقافات العنيفة التي تنتجها بعض الهويات. إن حاصل ضرب ما يترتب على التمسك بالهوية وأسباب العنف وأهدافه وأشكاله مؤداه نتيجة واضحة المعالم تقول إن فترة الشباب هي أعلى مرحلة عمرية يمكن للفرد أن يرتكب فيها أعمال عنف. فالتطلع إلى المستقبل، والميل الطبيعي إلى الانتماء لأي جماعة رئيسية أو ثانوية، والرغبة القوية في التغيير، يدفع الشباب إلى حالة من الفوران الدائم، لا سيما مع توافر طاقة إنسانية مشبعة بالحماس والحيوية والاندفاع والتضحية، ونزوع إلى الاستقلال والاعتداد بالنفس، مع طغيان لمشاعر القلق، وتعزز الأمل في مواقف مثالية، أو حدية لا تقبل الحلول الوسط، ولا الوقوف في منتصف المسافات، من دون إهمال الاحتياجات الذاتية المرتبطة برغبة الشاب في بناء أسرة وتأمين مستوى معيشة مناسب. وإلى جانب هذه السمات النفسية والاحتياجات الاجتماعية والانحيازات السياسية، هناك مسألتان مهمتان ومتناقضتان إلى حد كبير، تمسان تأثير قضية الهوية على قيام تصرفات عنيفة من قبل الشباب، هما: 1 - تنامي أزمة الهوية: وهي إحدى أزمات التنمية السياسية، لاسيما في المجتمعات الجديدة، التي يغلب فيها بعض الأفراد انتماءاته العشائرية والطائفية على الانتماء للمجتمع الأول، أو الدولة، الأمر الذي يخلق تنازعاً نفسيّاً داخل الشخص بين هذين الانتماءين. ولا تقف هذه الأزمة عند حدود المشكلات الثقافية الداخلية من قبيل الصراع بين الحضري والريفي أو العصرية والتقليدية أو الفجوة بين الحاكمين والمحكومين بل قد تصل إلى حد الصراع المفتوح بين الثقافة الوطنية والثقافات الوافدة، وبين الخصوصية الذاتية والسيطرة الأجنبية. وقد سك إريكسون عبارة "أزمة الهوية" في أربعينيات القرن العشرين، قاصداً به من فقدوا الإحساس بالتماثل الشخصي والاستمرارية التاريخية، وبهذا الاعتبار ينفصل هذا الفرد عن الثقافة التي تستطيع أن تهبه التماسك النفسي أو تمنحه إحساسه بنفسه. وقد بات هذا المصطلح يستخدم لوصف مرحلة الشباب، التي هي من أهم مراحل التطور النفسي والجسدي والاجتماعي للإنسان. 2 - تأثير العولمة: طرأت على العالم المعاصر تغيرات عميقة هزت الثوابت التقليدية التي كانت المجتمعات تستند إليها، ودفعت بعض علماء الاجتماع إلى إعادة النظر في التصورات التقليدية لدراسة الجماعة البشرية، والتي كانت تنطلق من أن المجتمع تعينه وتضبطه وتنظم تفاعلاته حدود الدولة القومية، واستبدل ذلك بدراسة تأثير المجتمع الكوني على المجتمع المحلي، والدعوة إلى تأسيس علم اجتماع التدفق بديلاً عن علم اجتماع الأبنية. فالمعلومات والقيم والأفكار والسلع التي تتدفق بلا هوادة، ورحلات السفر والهجرة التي لا تنتهي بين الشمال والجنوب، وتوحش أنماط الاستهلاك واتساع رقعة الفقر والتهميش، تؤدي جميعاً إلى فتح أبواب جديدة للعنف. 3 - حمولات الثقافة الدينية: من ضمن الرؤى السائدة اليوم في فهم أسباب العنف ومبرراته هناك "اتجاه يرجع العنف إلى تأويلات فاسدة للنص الديني". وهذا السبب كان المسؤول الأول عن أشكال شتى من العنف مورست في العالم العربي من المحيط إلى الخليج على مدار العقود الأربعة المنصرمة، وانزلقت في بعض الأحيان والأماكن إلى إرهاب. فالتنظيمات والجماعات الأصولية انتقلت من "الدعوة" إلى ما أسمته "الجهاد" الذي لم يقف عند حد التمرد على السلطات الحاكمة بل وصل إلى النيل من المجتمع، وجرح منظومة القيم التي توافقت عليها الجماعة الوطنية. ومن يمعن النظر في السياقات المحيطة يجد أن الشباب العربي "يسكن قلب أوطان تعتمد التمييز بكفاءة بالغة وتنوع هائل، فالأثرياء يملكون المال وطاقات الفقراء ومصائرهم، والحضر يتعالى على الريف الفقير، والريف يتعالى على النجوع، والرجال هم العناصر الأرقى من النساء، والفقيرات هن الأقل قدراً من غيرهن، والأسوياء أكثر حظاً من الأشخاص ذوي الإعاقة الذين يشكلون 10في المئة من المجتمع العربي تقريباً". ومع تفشي البطالة وإصرار الكبار على ممارسة الوصاية على الشباب في نظام "أبوي" جامد، ينشأ وسط صراع أجيال حاد، وانسداد الأفق السياسي بفعل تسلطية الدولة وبطشها، واستشراء الفساد، وازدياد حجم الغبن الاجتماعي، وشيوع ثقافات تقليدية ودينية نازعة إلى الجمود والتشدد، واستفحال الشعور بالقهر والظلم والهوان حيال العالم الخارجي، يجد الشباب العربي نفسه مدفوعاً إلى الانزلاق إلى ارتكاب العنف بشتى صوره الرمزية واللفظية والمادية، وهي حالة لا شفاء منها دون انقضاء الأسباب التي تؤدي إليها.