عادت أنباء وصور الكارثة الإنسانية المحيطة بأهالي إقليم "دارفور" في أقصى السودان الغربي تحتل واجهات القنوات التلفزيونية، والصفحات الأولى من الصحف العالمية.
وفي مدينة تبعد آلاف الأميال عن" دارفور"، وتستغرق رحلة الوصول منها إلى الفاشر أكثر من عشرين ساعة -هذا إذا توفرت الطائرة المناسبة- يطالع الناس كل صباح في الصحف الكندية إعلاناً من المنظمة الأهلية ذائعة الصيت "ورلد فيشن"، يحمل صورة طفلة وطفل من ضحايا ذلك الوباء الجنوني الذي تفجر في "دارفور" باسم العنصرية والقبلية، ويتستر خلف شعارات تدعو لـ"التحرير" ولـ"العدل"، و"المساواة"، وباسمها جميعاً يتعرض كل يوم مئات الأطفال الأبرياء والنساء العاجزات والشيوخ المتعبين إلى الموت, جهاراً نهاراً، إما بأسلحة المقاتلين أو من الجوع والأمراض والأوبئة الفتاكة.
والإعلان اليومي الذي تنشره المنظمة الأهلية الإنسانية، هو في حد ذاته وبالصور الفاجعة التي يحملها، أقوى وأشد أثراً من عشرات المقالات التي ندبجها عن مأساة دارفور، والعبارات التي يحملها داعياً الخيرين أن يتبرعوا بما يساوي ثمن فنجان من القهوة "دولار كندي" -من أجل إنقاذ طفل أو طفلة من "دارفور"-، تكفي بل وتزيد لتصوير حجم المأساة والكارثة الإنسانية التي يتعرض لها أطفال دارفور الآن، والتي يقول ممثل منظمة "اليونيسيف" القادم من هنالك -من معسكرات اللاجئين والنازحين والمشردين- إنها تزداد كل يوم خطراً وإذا لم يتداركها العالم فإنها ستصبح "أكبر كارثة إنسانية شهدتها الإنسانية وسيتجاوز عدد ضحاياها مليون إنسان".
ولا شك أنه لأمر جلل ذلك الذي دفع الأمين العام للأمم المتحدة أن يشد الرحال إلى "دارفور" ليرى بنفسه وعلى أرض الواقع حجم المأساة، وليضع حداً للخلافات في التقديرات بين موظفي الأمم المتحدة ووكالات، والحكومة السودانية حول حجم الكارثة، وحول العلاقة بين منظمات الإغاثة والحكومة التي تميزت بالشد والجذب وتبادل الاتهامات بين الطرفين، وأضاعت وقتاً ثميناً كان المتضررون في أشد الحاجة إليه.
إن الكارثة الإنسانية المحيطة بأهالي "دارفور" اليوم، والتي تتفاقم كل يوم، لم تعد أمراً يمكن السكوت عليه أو مداراته، ولا يصح أن يصبح واحداً من "كروت اللعبة السياسية السودانية"، بين الأطراف المتصارعة في وحول دارفور.
إن ما يجري في "دارفور" اليوم هو وصمة في جبين كل سوداني، وخاصة أولئك "المستنيرين" الذين مكنتهم الظروف أن يصبحوا قيادات ذلك البلد المنكوب حقاً، والذين عجزوا حتى الآن عن أن يدبروا أمرهم وأن يحلوا خلافاتهم وأن يحموا مواطنيهم الضعفاء، حتى اضطروا "المجتمع الدولي" أن يتحرك من قمته إلى قاعدته ليقول لهم إن هذا الذي تفعلونه ببلدكم وشعبكم أمر معيب وسيدفعنا للتحرك الفعلي لإيقافه إن لم توقفونه أنتم بأنفسكم! وبرغم كل المعاني الإنسانية التي حملتها زيارة الأمين العام للأمم المتحدة "كوفي عنان" ووزير الخارجية الأميركي "كولن باول" إلى الخرطوم و"دارفور"، أليس هذا هو معنى الرسالة الأخيرة التي وجهها المجتمع الدولي إلى السودان؟