تجتاح ظاهرة "الإسلاموفوبيا" عالم اليوم، وتقوم كراهية الإسلام أو الخوف منه على أسس خاطئة تعتقد أنه دين معزول وجامد، وليس لديه قيم مشتركة مع الثقافات الأخرى، ويتّسم بالعنف ومتحيّز ضد النساء! ولا يكفي أن نرفع حواجب الدهشة ونحن نرى الآخر يبني جدار الكراهية لديننا، ولنا بالتبعية، على أسس متداعية، ولا يكفي أن نحدّث أنفسنا بالقول إنهم لو فهموا الإسلام لدخلوا في دين الله أفواجاً، كأنّ فهم الإسلام يتم في جلسة دردشة أو بقراءة بضعة كتب أو بتصفّح بعض مواقع الإنترنت، يقف بعدها غير المسلم ليُعلن بأعلى صوته: لقد فهمتُ الإسلام. إذا كان فهم الإسلام في متناول اليد، فما بالُ فئة ليست بالقليلة من المسلمين ارتدوا على أعقابهم فور وفاة صاحب الرسالة؟ ربما لم يتشرّب هؤلاء روح الإسلام وإنما أسلموا بإسلام رؤسائهم وارتدوا بارتدادهم، فأين نحن من "الخوارج" وهم في الأصل من أصحاب علي بن أبي طالب، باب مدينة علم النبي صلى الله عليه وسلم، وكانوا من حفظة القرآن، وكان بقية المسلمين يحقّرون صلاتهم وصيامهم في مقابل صلاة هؤلاء وصيامهم؟ ثم إذا كان فهم الإسلام أمراً يسيراً وأن من لم يفهمه لا يريد أن يفهمه، وهو متعصّب ضده وأسير للصورة النمطية عنه، فلم تفرّق المسلمون منذ البدايات إلى فرق وشيع تكفّر وتقاتل بعضها بعضاً؟ يبدو أنهم لم يفهموا الإسلام، أو على الأقل بعضهم لم يفهمه، فليس من المعقول أن الجميع فهم والجميع قرر أن يقتتل. ولو كان تفرّقهم عن اختلاف في القشور ككيفية الوضوء مثلاً لجاز لنا القول إنهم فهموا لبّ الإسلام وخطوطه العريضة، ويكفي أن يفهم الآخر هذه الخطوط ليعرف حقيقة ديننا، لكن التاريخ يقول لنا إن دماء المسلمين ما سُفكت فيما بينهم إلا على فهم تلك الخطوط، فالفتنة الكبرى ومقتل الخليفة عثمان بن عفان وحروب الجمل وصفين والنهروان ومذبحة كربلاء وكل الثورات التي قامت بعد ذلك كانت على المبادئ وليس على جواز الصلاة بالخفّ أو عدم جوازها. واختلاف المذاهب الإسلامية دليل آخر على عدم فهم الإسلام، وهو اختلاف على جذور الإسلام وليس على أوراقه فحسب، فهم مختلفون حتى في معرفة الله عزّ وجل، ويُروى أن أحد العلماء اشترط كي يجلس إلى طاولة واحدة مع عالم آخر بقصد التقريب بين المذاهب أن ينطق صاحبه الشهادتين قبل أي شيء. وليت الأمر توقف عند اختلاف المذاهب، ففي نهاية المطاف كان يمكننا أن نأخذ بيد غير المسلم وندلّه على طريق واحد لا يحيد عنه، لكن ظهرت في المذهب الواحد تيارات متعددة، ولا يمكن اليوم أن نقول إن التيار السلفي والسلفي الجهادي والصوفي وتيار الإسلام التقليدي تفهم الإسلام فهماً واحداً، رغم أنها تنتمي لمذهب واحد، فأي واحد من هذه التيارات هو الذي يمثّل الإسلام وينبغي على غير المسلمين أن يفهموا الإسلام من خلاله ومن ثم لا يقعوا ضحية "الإسلاموفوبيا"؟ واليوم نَصِفُ الإرهابيين بأنهم "الفئة الضالة"، وهذا يعني أنهم لم يفهموا الإسلام، أو فهموه ثم فقدوا صوابهم، رغم أنهم مسلمون أباً عن جد، ويقودهم وينظّر لهم في الغالب أشخاص درسوا العلوم الشرعية، فكيف وقعوا في الضلالة بهذه السهولة ولم يفهموا الإسلام بتلك السهولة؟ علينا أن نبحث عن أشياء أخرى نصحّح بها نظرة العالم لنا ولديننا، وليس مطالبته بفهم الإسلام الذي يبدو أننا نواجه صعوبة في فهمه منذ فجره الأول وإلى يومنا هذا.