بصرف النظر عن الأسباب التي دفعت الإدارة الأميركية إلى إعلان تراجعها عن مشروع المفاوضات المباشرة الإسرائيلية الفلسطينية، وتخليها عن شرط تجميد الاستيطان، وهي أسباب معروفة للداني والقاصي، يشكل إخفاق مبادرة السلام الأميركية التي وضعها أوباما في رأس قائمة برنامجه لمصالحة أميركا مع العالم الإسلامي، اعترافاً مدوياً بإخفاق جهود التسوية السلمية ووصول مبادرات السلام جميعاً، الغربية والعربية معاً، إلى طريق مسدود. وهي المبادرات التي مضى عليها الآن ما يقارب العشرين عاماً، منذ إطلاق مؤتمر مدريد للسلام عام 1991. ولا تستطيع المفاوضات غير المباشرة والجانبية التي تريد واشنطن الآن استخدامها لتقريب وجهات النظر، كما يقول مسؤولوها، أن تغطي على تداعي صدقية الدبلوماسية الأميركية، وليس بإمكانها أن تقنع أحداً بأن ثمة حظاً، مهما كان ضيئلاً، لإيجاد تسوية خلال عام أو حتى أعوام وعقود، تفادياً للفراغ الخطير الناجم عن عودة المنطقة إلى نقطة الصفر. ويطرح ذلك الإخفاق أسئلة كبيرة على الدبلوماسية الأميركية والأوروبية اللتين قادتا مشروع التوصل إلى تسوية للنزاع الشرق أوسطي، لكنها تطرح أسئلة لا تقل إلحاحاً على الأمم المتحدة وأعضاء مجلس الأمن الذين كانوا شركاء في "رباعية" لم تحقق شيئاً من أهدافها ولم تجرؤ مرة واحدة على إدانة إسرائيل التي أعاقت ولا تزال تعيق أي جهد للحل السلمي. وتطرح أسئلة مماثلةً كذلك على جميع الدول الأعضاء في الأمم المتحدة التي طالما صوتت على قرارات تدين الاحتلال الإسرائيلي وترفض الاستيطان والتهويد، دون أن تظهر أي بادرة اعتراض على الجمود الناجم عن عجز الدبلوماسية الأميركية والغربية عموماً عن إقناع إسرائيل بالتعاون الجدي مع الوسطاء الدوليين، أو على عزوفها عن القيام بأي ضغط يؤثر على مصالح إسرائيل أو على العلاقات الاستراتيجية التي تربطها بالدول الصناعية. كل ذلك يعطي الانطباع لدينا نحن العرب بأن إسرائيل لا تدعي لنفسها موقعاً فوق القانون وإنما تُعامل بالفعل من قبل المجموعة الدولية، عن قناعة أو بسبب الضغوط المتعددة، على أنها لا تخضع لقانون العلاقات الدولية ولا تنطبق عليها المبادئ والقيم والمعايير المطبقة على بلاد العالم الأخرى. لكن في ما وراء الإشارة إلى ما أصبح موضع اقتناع واعتقاد راسخ عند الجمهور العربي، وربما جزء كبير من الرأي العام العالمي، بأن إسرائيل منزهة عن المساءلة والمحاسبة ومن باب أولى العقاب... يطرح إخفاق مفاوضات التسوية السياسية في الشرق الأوسط أسئلة مؤجلة، وقد أجلت لوقت طويل، على الدول العربية ذاتها التي أحبطت إسرائيل، ثم الولايات المتحدة، مساعيها للتوصل إلى سلام مع تل أبيب، حتى من دون شروط عادلة ومنصفة. ففد جرّدها الوضع الجديد من أي سلاح. ولن ينفع سحب مبادرة السلام العربية في إعادة الصدقية لسياستها الوطنية ما لم يرتبط ذلك بخطة جديدة لمواجهة مخاطر استمرار إسرائيل في سياسة الاحتلال وتهويد الأراضي الفلسطينية وفي مقدمتها القدس. ليس هذا ولا ينبغي أن يكون وقت المناحة ولا الشماتة ولا التشفي من فريق ضد فريق آخر أو من سياسة قُطْرية لصالح سياسة قُطْرية أخرى. فلن يفيدنا هذا في أي شيء سوى إضاعة مزيد من الوقت وتعميق الانقسام والشرخ القائمين في تفكير النخب العربية وفي ما بينها، وهو الانقسام الذي يكمن وراء إضاعة فلسطين الأولى ما قبل 1948 وهو في سبيله إلى أن يغطي على إضاعة فلسطين الثانية، ومن ورائها فتح الباب أمام إسرائيل للتحول إلى قوة عظمى تملي على الجميع وتتدخل من دون رادع في شؤونه الداخلية. لذلك فالمطلوب اليوم هو مراجعة جدية وهادئة يشارك فيها أصحاب الرأي والقرار، من المهتمين بمصير العالم العربي وشعوبه، في كل مكان، من أجل بلورة رؤية ناجعة للخروج من المأزق الذي لا يجسده في نظري انهيار مفاوضات التسوية السياسية العربية الإسرائيلية، فهذا عرض جانبي، وإنما في انهيار الرهان على الآخر، وعلى الولايات المتحدة أساساً، كاستراتيجية ناجعة لمواجهة الحرب الإسرائيلية المستمرة والتهديدات الخارجية وحماية المصالح الوطنية والقومية. لكن هذا بالضبط ما يدفعنا للأمل في أن يكون الإخفاق الحالي منطلقاً ليقظة عربية وعودة إلى التفكير الجدي في بناء استراتيجية الأمن الوطني والعربي على أسس المبادرة الذاتية، وتأمين وسائل العمل الضرورية لقيام العرب أنفسهم بقلع أشواكهم بأيديهم والدفاع عن مصالحهم. إن إخفاق أكبر دولة قائمة في إكراه القيادة الإسرائيلية على تجميد الاستيطان لأشهر معدودة بغية إتاحة مناخ ملائم لإطلاق مفاوضات التسوية السياسية، وحفظ ماء وجه الإدارة الأميركية، الحليف الأوثق لتل أبيب... يشكل برهاناً واضحاً يُثبت خطأ استراتيجية الرهان على الغير وأهمية بناء أجندة وطنية عربية تضمن الدفاع عن مصالح العرب الكبرى والحفاظ على أمنهم واستقرار مجتمعاتهم وحمايتها من الاعتداءات والاختراقات الخارجية. وليس بناء مثل هذه الأجندة بالأمر اليسير والمتوفر لمجرد كوننا عرباً وننتمي إلى ثقافة واحدة ويجمعنا تاريخ مشترك. فالإخوة أيضاً يتنازعون في ما بينهم، وربما يقتتلون عندما تصطدم مصالحهم الخاصة أو يغبن بعضهم بعضاً. لذا فإن مثل هذا البناء يستدعي نشوء إدراك موحد للتهديدات الخارجية وربما الداخلية أيضاً، ورؤية مشتركة أو أسلوب موحد للرد على هذه التهديدات، وهو ما يرتبط بوجود أهداف وغايات مشتركة أيضاً لدى الفاعلين. ومن الواضح أن النظم العربية تفتقر للغايات المشتركة والأهداف الواحدة، حتى وإن اتفقت شكلاً على مصادر التهديدات أو بعضها. وبسبب عدم الثقة العميقة القائمة بين نظم تسعى لخدمة مصالحها الذاتية ويخشى كل واحد فيها من الآخر ويراهن على خرابه من أجل تعزيز مواقعه الداخلية والإقليمية... تكاد الأجندة الأمنية الداخلية ذاتها، والتي هي ميدان التعاون الرئيسي، وربما الوحيد الثابت بين الأقطار العربية، تقتصر على التنسيق وتبادل المعلومات والخدمات الجزئية. والقصد، أنه ليس هناك رد أميركي أو غربي أو دولي لصالح العرب على التحدي الإسرائيلي الاستيطاني، وليس هناك رد قُطْري أيضاً، لا فلسطيني ولا سوري ولا لبناني عليه. الرد الوحيد الممكن هو الرد العربي الجماعي. هذا هو الدرس الرئيسي لإخفاق مفاوضات التسوية السلمية التي لم تكن بالنسبة لإسرائيل سوى ذريعة لكسب الوقت وتعزيز سياسة الاحتلال والضم والاستيطان.