عام 1958 تخيل عالم اجتماع وسياسي انجليزي من حزب "العمال" يُدعى "مايكل يونج" مستقبلًا تقوم فيه المؤسسة الرسمية البريطانية بحل نفسها، وإلغاء كافة أشكال السلطة الموروثة، وإقامة نظام الميريتوقراطية Meritocracy أي نظام يتولى فيه الحكم ذوو الاستحقاق والجدارة، (وهي كلمة نحتها يونج نفسه)، وهو نظام يتم تحديد الداخلين فيه بناء على معدل الذكاء. يرى "يونج" حسب تخيله أن الأشخاص الموهوبين المؤهلين أكاديمياً من الطبقة العاملة يجب أن يكون من حقهم الالتحاق بالنخبة، ولكنهم عندما يفعلون ذلك سيكونون عرضة للكراهية من قبل الأقل موهبة الذين سيكرهونهم ربما أكثر مما كانوا يكرهون كل من كان يحمل لقب دوق أو دوقة حسب التصنيفات الطبقية القديمة. وحسب رؤيته، فإن تلك الكراهية ستؤدي إلى ثورة شعبوية عنيفة تكتسح في طريقها نظام "الميريتوقراطية" بكل ما يحمله. بالنسبة للبعض بدأت تلك الرؤية كما لو كانت تمثل تحذيراً لأميركا. وما أدى إلى ترسيخ هذا الشعور، هو أن عالم الاجتماع الأميركي المعروف "دانييل بيل"، قد استشهد بها وتنبأ، بدرجة مدهشة من الشفافية والقدرة على النفاذ من حجب المستقبل، بصعود الشعبوية المناوئة لنظام التعليم النخبوي. بيد أن "بيل" أخطأ في شيء واحد، وهو يتنبأ بذلك في عام 1972، حيث اعتقد أن الهجوم التالي على الجامعات سيكون على شكل كوتات(جمع كوتا) قسرية، وتخفيض في المعايير المتبعة. وقد تمكنت الجامعات الأميركية من صد هذه الموجة الشعبوية العاتية في عقد التسعينيات من خلال زيادة معدلات القبول بكلياتها، وتوسيع نطاقها لتشمل النساء والأقليات مع المحافظة على المعايير عند مستوى عالٍ. وها نحن نرى الآن نتاج التوسع في نظام الاستحقاق والجدارة، ألا وهو أوباما نفسه، الذي نشأ وترعرع في كنف أم وحيدة، وتخرج من كلية الحقوق بجامعتي كولومبيا وهارفارد. وهناك أيضاً سيدة أميركا الأولى"ميشيل أوباما"، وهي ابنة موظف أسود في البلدية تخرجت من كلية الحقوق بجامعتي برنستون وهارفارد. والاثنان أحضرا معهما لواشنطن العشرات من خلفيات اجتماعية متواضعة، ممن لا يمتلكون ثروات موروثة، والذين التحقوا بالعمل في السلك الحكومي، وحصلوا على مناصب عالية بفضل نوعية التعليم الراقي الذي تلقوه، والذي أهلهم له جدهم واجتهادهم وجدارتهم. ليس معنى ذلك أن واشنطن لم تكن مكتظة من قبل بشخصيات من هذه النوعية مثل "كلارنس توماس" قاضي المحكمة العليا، وهو ابن خادمة منزلية ومزارع تخرج من جامعة "يل" المرموقة. على الرغم من أن نظام الجدارة والاستحقاق هذا قد نحى جانبا المؤسسة التي كان يرمز إليها بالحروف WASP والتي تعني أن يكون الشخص المنتمي إليها أبيض اللون ينتمي إلى الجنس الأنجلوساكسوني وبروتستانتي المذهب -لم يعد هناك أي أحد في المحكمة العليا ينتمي إلى تلك المؤسسة - إلا أن ما يحدث في الواقع العملي أن هذا النظام (الجدارة) لا يحظى بإعجاب، بل يتعرض هو والمنتمين إليه إلى الكراهية، وخصوصاً ذلك الجزء منه المتعلق بقدرة المنتمين إليه على الصعود الاجتماعي في سلم المجتمع. ليس هذا فحسب بل إن شيئاً غريباً يحدث، هو أن الكثيرين في المجتمع الأميركي، باتوا ينظرون إليهم باعتبارهم"نخبويين" يثيرون من الضغينة والأحقاد أكثر مما يثيرون من الإعجاب. وفي الحقيقة هذا الشعور يعد شيئاً غريباً. فما المشكلة أن يعمل الفرد بجد أو يدرس بجد، وينال أعلى الدرجات ويلتحق بأفضل الكليات ويصعد درجات سلم المجتمع؟ أليس ذلك يمثل جوهر الروح الأميركية، أو الحلم الأميركي، أو النظام الذي يستطيع كل فرد بجده واجتهاده أن يحصل على فرصته في أرض الفرص؟ لقد تعرضت المؤسسة القديمة للكراهية، ولكن كان لذلك أسبابه، ومنها الاعتقاد السائد بأن تلك المؤسسة لم يكن أفرادها قد حصلوا على ما حصلوا عليه من مال وثروة ووجاهة عن جدارة واستحقاق، وبالتالي لم يكونوا يستحقون الوضع المتميز الذي كانوا يوجدون فيه. وكان من حق الموجودين خارج هذه المنظومة، أن ينظروا إلى أنفسهم على أنهم اكثر مهارة وأكثر معرفة وأكثر استحقاقاً من أفراد هذه الطبقة، بالمناصب والوضع المتميز الذي كانت تنعم به. ولكن ما سبب الضغينة التي تشعر بها بقايا تلك الطبقة وغيرها، نحو من صعدوا سلم المجتمع عن طريق جدارتهم واستحقاقهم وتفوقهم وجدهم واجتهادهم؛ وما هو المبرر الذي يمكن أن يستندوا إليه؟ عندما نسمع شخصاً مثل"فرجينيا توماس" زوجة كلارنس توماس (هي بيضاء وهو أسود)، هي تقول لجمهور صاخب في أحد اجتماعات حركة "حزب الشاي" في فرجينيا عبارة من مثل" نحن محكومون من قبل نخبة تعتقد أنها تفهم أحسن مما نفهم"، ما الذي تريد أن تقوله من خلال ذلك؟ ما هي الرسالة التي تريد توصيلها؟ لقد توقع "يونج" ثورة (وها نحن نرى أن من يقود هذه الثروة ليس أصحاب معدلات الذكاء المرتفعة وإنما زوجاتهم)، وتوقع أن يتبع تلك الثورة مجتمع تختفي فيه الطبقات، ويصبح فيه الحكم لأصحاب الجدارة والاستحقاق. من سوء الحظ أن فكرة مقاربة لتلك الفكرة، قد جربت من قبل وأثبتت خطأها أو دعنا نقول على الأقل إنها لم تحقق ذلك النجاح الذي توقعه أصحابها (الشيوعية). في أميركا يتوقع أن تأتي نهاية نظام الجدارة والاستحقاق بشكل بطيء: فإذا ما عمل المرء بجد، وتمكن من صعود درجات السلم التعليمي، والتخرج من جامعة مرموقة وكان نصيبه بعد ذلك الضغينة والكراهية والحقد، فيجب ألا يشغل نفسه كثيراً بذلك. أما إذا شغل نفسه بذلك، وبالغ فيه، فلا يلومن إلا نفسه، وليعرف أنه إذا فعل ذلك، فلن يدخل إلى عالم السياسة لأن النمط الذي يمثله لم يعد مرغوباً. فحينها سوف يكون لدينا نمط مختلف، من النخبة يمسك أفراده بزمام البلد ويقودون المجتمع.... وسوف تكون هناك بالطبع طائفة من الأسباب التي تدعونا للسخط عليهم. آن أبلباوم كاتبة ومحللة سياسية أميركية ينشر بترتيب خاص مع خدمة "نيويورك تايمز"