في منتجع كانكون البحري المكسيكي، ذي المناخ شبه الاستوائي طوال العام، أوشكت قمة الأمم المتحدة حول التغيرات المناخية على الانهيار، لتنضاف مع سابقتها في كوبنهاجن العام الماضي إلى سجل الإخفاق العالمي في مفاوضات المناخ. فبعد 12 يوماً من المفاوضات العسيرة والمتوترة أحياناً، بين ممثلي 190 دولة مشاركة، اصطدمت قمة كانكون بصخرة الخلاف حول مصير بروتوكول كيوتو، وبالمطالبات المتبادلة بين الدول الصناعية والدول النامية حول تكاليف الحفاظ على البيئة وإيقاف التهديدات المناخية... ما حدا بأمين عام الأمم المتحدة بان كي مون للتحذير من بطء المحادثات حول موضوع لا يحتمل ذلك، ومن كون الجهود المبذولة غير كافية للتوصل إلى اتفاق لا غنى عنه. لكن وسط عتمة التشاؤم الذي تملّك أجواء المؤتمر، لاحت أنوار السارية وإشارات المخرج فجأة، يوم الجمعة الماضي، مع مشروع الاتفاق الذي قدمته وزيرة الخارجية المكسيكية ونال موافقة المشاركين دون أي تعديل على بنوده الأساسية. ويؤكد النص الذي أنقذ المفاوضات ضرورة الحفاظ على درجات حرارة الأرض عند درجتين مئويتين، داعياً الأطراف إلى "التحرك بسرعة لتحقيق هذا الهدف على الأمد الطويل"، كما ينشئ "صندوق المناخ الأخضر" لمساعدة الدول الفقيرة على مواجهة تغير المناخ، وهو صندوق تموله الدول المتقدمة بنحو 100 مليار دولار سنوياً وحتى عام 2020، وتديره هيئة تمثل الدول المتطورة والنامية تمثيلاً عادلاً. وإلى ذلك، يضع الاتفاق أسساً آلية جديدة للحد من انحسار الغابات، والذي ينتج عنه نحو 17 في المئة من الانبعاثات الغازية المسببة لارتفاع حرارة الأرض. ولم تكن لتتم تلك التسوية أخيراً لولا اتفاق الوفود على إرجاء خلافاتها حول مصير اتفاقية كيوتو إلى عام 2011، إذ أثار الخلاف على مآل الاتفاقية التي تلزم نحو 40 دولة متقدمة بخفض انبعاثات غازات الاحتباس الحراري، توتراً حاداً في المؤتمر، لاسيما بعد أن رفضت اليابان وروسيا قبول الالتزام به لفترة إضافية، لذلك فقد إعلان كانكون من أي التزام بتمديد "كيوتو" إلى ما بعد 2012 عندما ينتهي العمل بها. وقد شكلت الاتفاقية الدولية للحد من التغير المناخي، الموقعة في مدينة كيوتو اليابانية عام 1996، أول التزام من جانب الدول الصناعية بالحد من انبعاثاتها الغازية بنسبة 5 في المئة على الأقل بحلول عام 2012، قياساً إلى مستويات عام 1990، وذلك سعياً للحد من مخاطر ظاهرة الاحتباس الحراري. وقد نصت الاتفاقية على التزامات قانونية للحد من انبعاث أربعة غازات دفيئة (ثاني أكسيد الكربون، والميثان، وأكسيد النيتروس، وسداسي فلوريد الكبريت)، ومجموعتين أخريين من الغازات التي تنتجها الدول الصناعية، كما نصت على التزامات عامة لجميع البلدان الأعضاء. واعتباراً من عام 2008 صادقت 183 دولة على الاتفاقية التي دخلت حيز التنفيذ في 16 فبراير 2005. وتضع اتفاقية كيوتو العبء الأكبر من الالتزامات الواردة فيها على عاتق الدول المتقدمة، إذ تلزمها بتقديم الدعم المالي والفني اللازم لإعانة الدول النامية على تنفيذ الالتزامات الناشئة عن السياسات الدولية المشتركة لحماية البيئة، كما تلزمها بانتهاج سياسات من شأنها تخفيض انبعاثات الغازات الدفيئة. وفيما ترى الولايات المتحدة الأميركية أن اتفاقية كيوتو ظالمة وضارة لمصالحها، تنظر الدول النامية بعين الرضا إلى الاتفاقية، وذلك اعتباراً لقلة ما ألقته على عاتقها من التزامات في مجال حماية البيئة ومكافحة التلوث المناخي وصيانة الغلاف الجوى للكرة الأرضية. والحق أن الدول النامية إذ تخشى من أي التزامات بيئية تحد من حريتها في تنفيذ مشروعات التنمية الوطنية، فإن الدول المتقدمة تعد المسؤولة عن تلوث البيئة جراء أنشطتها الصناعية والنووية والكيماوية الكثيفة، وما ينتج عنها من انبعاثات تؤدي إلى الاحتباس الحراري. بل ترى الدول النامية أنها ضحية سياسات التصنيع الخاطئة التي اتبعتها الدول المتقدمة. هذا وقد مثلت اتفاقية كيوتو ترجمة لنتائج مؤتمر الأمم المتحدة الأول حول البيئة والتنمية، المعروف باسم "قمة الأرض"، والذي انعقد عام 1992 في ريودي جانيرو بالبرازيل، حيث أعلن العالم للمرة الأولى التزامه بالحد من الانبعاثات الغازية إلى مستويات يمكن السيطرة عليها وإدارتها منعاً للإضرار بالمناخ العالمي أو بعمليات إنتاج الغذاء. وفيما سعى منظمو قمة كوبنهاجن، في عام 2009، إلى تجاوز اتفاقية كيوتو عبر إقرار اتفاقية عالمية جديدة تضيف للاتفاقيات السابقة مزيداً من الإجراءات لمكافحة التغير المناخي... فقد انتهوا بعد عشرة أيام من التفاوض المضني إلى اتفاق جزئي وغير ملزم بين كل من الولايات المتحدة والصين والهند والبرازيل وجنوب إفريقيا. وقد تضمن ذلك "الاتفاق" تخصيص 30 مليار دولار خلال الأعوام الثلاثة المقبلة للدول الفقيرة لمواجهة مخاطر تغيرات المناخ، علي أن يرتفع ذلك المبلغ إلى 100 مليار دولار بحلول عام 2020، لكن دون وجود أهداف محددة وملزمة لخفض انبعاث الغازات بالنسبة للدول الصناعية. ومقارنة بتلك النتيجة فإن قمة كانكون تعتبر ناجحة لجهة الاتفاق الذي خلُصَت إليه أخيراً، والذي بدا توفيقياً وموضع رضا للجميع. لكن من طبيعته التوفيقية قد تنبع بعض عوامل ضعفه؛ خاصة أن هناك دولاً نامية رأت فيه محاباة زائدة من جانب المكسيك للدول الصناعية الكبرى، لاسيما الولايات المتحدة التي لم توقع اتفاقية كيوتو وكانت المسؤول عن فشل مفاوضات كوبنهاجن. هذا علاوة على أن اتفاق كانكون، في جزئه المتعلق بـ"صندوق المناخ الأخضر"، يسكت عن تفاصيل وجزئيات كثيرة يُتوقع أن تكون مخبأً لشيطان الخلاف عند الشروع في التنفيذ. وبذلك تتضح لنا أخيراً حصيلة 18 عاماً من تراكم الوعي المناخي، و12 يوماً من مفاوضات المناخ المهدد بتغيرات يختلف أنصار الصناعة والنشطاء البيئيون في تقدير أحجامها ومخاطرها، لكنه على أي حال مهدد كما يتفق الجميع! محمد ولد المنى