حين كنا طالبات جامعيات، بحثنا عن كتاب يمكنه استيعاب كم المبادئ التي كانت حصناً لنا ضد تقلبات الأجواء، فكان إدوارد سعيد الذي من خلاله تمكنا من التعلق بفلسطين كقضية حق ومطلب عادل، وأدركنا كيف يمكن للإنسان أن يقايض شرفه وشرف أرضه مقابل تراب المادة·
كانت كتابته بمنظار الحقائق ذات اللون الواحد بالنسبة لنا، حينها كنا نعرف أن قواعد اللعبة كانت تتطلب كثرة الألوان والأكاذيب، وهو لم يدخلها بل رفض الالتزام بها أو الاندراج تحت بنودها، وكنا حين يصدر كتاب جديد له نعتبره انتصاراً لمبادئنا الباحثة عن الصدق أبداً·
ولأنها كانت فترة الإشهار بتبعية غربية غير مبررة، فذهبنا نحن نحو مذاهب مختلفة تمسكت بتلابيب القومية القادرة على اجتراح البياض والتاريخ المطرز بالعزة والكرامة التي تحولت إلى أوهام بفعل الأنظمة العربية الساقطة في أفخاخ نظريات الحفاظ على الوضع الراهن·
وظل مقياس تقديرنا لتطورات القضية الفلسطينية مرتبطا به وبآرائه التي تبنيناها دون خوف أن يكون إدوارد سعيد له مصالحه الخاصة، أو نظرياته التي يمكن أن يتخلى عنها في مقابل حكايات الأكاذيب التي تناقلتها وكالات الأنباء آنذاك·
كان مختلفاً في صدقه، لم نصادفه، ولم نلقه في أي مكان، كان لقاؤنا به على صفحات كتبه ومقالاته، وحتى عندما مات تأسفنا على أن الحظ لم يحالفنا إذ لم نره وجهاً لوجه·
وأزعم أنه كان صاحب الفضل في أننا لم نساوم على التخلي عن مصداقية المبادئ والحقوق، لم نغرق بسبب وضوحه في لجة التغييرات الكونية التي عصفت بالأنا وألقت بها في مهاوي القلق وعدم الثبات·
وأزعم أن رحيله وفي هذا التوقيت بالذات يعني مزيداً من التعقيد في قضيتنا الأولى، كأنه آثر الانسحاب من زعمهم بالسلام الوهمي الذي ما زال يتراجع رغم كل التنازلات التي تقدمها السلطة الفلسطينية·
وليس كثيراً أن نكتب جميعاً عنه وأن نرثيه بحبر القلق من مستقبل لم يعد يضيء بقناديل أشباه إدوارد سعيد· فالمزايدون كثر، وأصحاب الأقلام المذهبة المؤطرون بالفضاء الساحر الكاذب كثر، لكن مثله قلة ويخفت صوتهم واحداً تلو الآخر، لذلك كان الرثاء له واجباً قومياً لنحتفظ به، كعلم مهم إنما كان ليدافع عن أمته وليعطينا مزيداً من الأسئلة التي فتحت أبواب الوقت والصعاب والأسرار المختبئة خلف أقاويل وادعاءات البعض من أصحاب القرار العقيم والمتسببين في المزيد من الانهيارات والانكسارات في جسد الأمة الشامخ برموزه مهما كان الظرف صعباً وقاسياً وشديد المرارة·
إنها نهاية متعجلة، أو ربما كانت مطلوبة لتهز ضمائر الذين ينحرون قدر الوطن دون مراعاة لما سيكون، كأنه يحتج بطريقته لعل موته بقول ما لم تقله حيوات بائعي الأوطان بأثمان بخسة·
هو ليس حزناً على غياب مفكر من نوع إدوارد سعيد فقط، بل أسف على فكر عظيم، وخوف على مستقبل لا نعلم إن كان سيكون في إضاءته لعتمة المجهول قادما أم سيؤجل ذاته كما هي أقدارنا الحالية والتي تدور أفلاكها في أسئلة دون إجابات تستجلي ما سيكون وتبحث في الكائن الصعب.