منذ سنتين تقريباً كنت في أفغانستان فسافرت على متن طائرتين، الأولى ربّانها برتغالي والأخرى ربّانها ألماني. كما أنني التقيت بأحد الأتراك العاملين في مقرّ "الناتو" في كابول، وامرأة هولندية أقامت في قاعدة للحلف جنوب البلاد. وخلال كلّ زيارةٍ قصيرةٍ أديتها، التقيت أيضاً بفرنسيين، وتشيكيين، وبالطبع أميركيين. ولدى مغادرة "القوة الدولية للمساعدة الأمنية" أفغانستان سنة 2014 تقريباً، بحسب ما تم الاتفاق عليه خلال اجتماع "الناتو" مؤخراً، فسيكون بإمكان جنود الحلف العودة إلى أوطانهم بعد أن أثبتوا، وربما أثبتوا فقط، أن الحلف العسكري الغربي لا يزال قائماً. والأمر هنا لا يتعلق بإحالة ذهنية إلى وصف بعض المؤرخين لمهمة "الناتو" في أفغانستان بالفشل المطلق: فالحلف لم يكن مستعداً للقتال هناك، وكان يفتقر في بادئ الأمر إلى القيادة وبالتالي يعاني من غياب الأهداف الواضحة أيضاً. وقد أرسلت بعض الدول عدداً كبيراً من الجنود على الأرض وقاتلت بشراسة، فيما اختبأت دول أخرى وراء "القيود" الوطنية التي تملي عليها مكان وزمان وكيفية السماح لجنودها بالانخراط في أي التزام عسكري. والأبرز أن معظم حكومات الحلف تقريباً تلافى الدخول في محادثات صريحة مع المنتخبين في بلاده بشأن الحرب. وحتى إن زعم البعض أن "الناتو" لم يفشل، فهو أيضاً، وبعبارةٍ أخرى، لم يسطع نجمه، أو يخرج بسمعة معززة. ولحفظ ماء الوجه في الحلف، وربما لحفظه هو نفسه، لابدّ لجنوده عندئذٍ أن يعودوا إلى أوطانهم، ويحطوا رحالهم، ويبدأوا بالتخطيط للمهمة التالية، ألا وهي الدفاع عن الديمقراطية في أوروبا. وبدون شكّ، تلك كانت في الأصل هي المهمة التي تأسّس من أجلها "الناتو". وفي حين أن الحلف قد وسّع حجمه بواقع سبع مرات منذ تأسيسه سنة 1949، فقد بدا مؤخراً خلال سنة 2009، أن وضع قواته ومؤسساته تغيّر بالكاد منذ عقدين. والحلف يضمّ حاليّاً 28 دولةً تشمل القسم الأكبر تقريباً مما كان يُعْرَف بـ"معاهدة وارسو". إلا أن قيادات القوات المشتركة الثلاث لا تزال تقع في جنوب وغرب القارة، في البرتغال، وجنوب إيطاليا، وهولندا. يُشار إلى أن الجنود الأميركيين منتشرون بطرق غير منظمة أيضاً حيث إن أكثر من 50 ألف جندي أميركي يتمركزون في ألمانيا، وهي دولة محاطة حاليّاً من جميع الجهات بحلفاء "الناتو"، في حين أن عددهم في بولندا والنرويج، حيث الحدود واسعة الامتداد، وتخلو ضفتاها من تواجد "الناتو"، يبلغ 100 و80 فرداً على التوالي. وبإمكان الحلف أيضاً أن يعيد تحديث خطته العسكرية للحقبة الجديدة. ويتعاون الأوروبيون والأميركيون أصلاً في مجال مكافحة الإرهاب ويضيفون على نحوٍ ملائمٍ مرتكبي الإرهاب الإلكتروني إلى لائحة الأعداء المشتركين . ولدى "الناتو" حاليّاً خطط احتياطية للدفاع عن بعض الدول المنتمية حديثاً إليه، ولاسيما بولندا ودول البلطيق (التي تم ضمّها هذه السنة بعد أن لاحظت إدارة أوباما أخيراً غيابها). وأكثر من هذا أن الحلف لم يقم ومنذ ما يزيد على العقد من الزمن بأيّة مناورات عسكرية جدية. ومنذ زمنٍ بعيدٍ أيضاً، نظم "الناتو" مناورةٍ سنويةٍ ضخمة أطلق عليها اسم "ريفورجر" (عودة القوات إلى ألمانيا)، كانت مُعَدة لإثبات أن الولايات المتحدة الأميركية لا يزال بإمكانها تحريك القوات بسرعة داخل أوروبا إذا دعت الحاجة إلى ذلك. وأما النسخة الخجولة الأخيرة للمناورات، فقد تمت سنة 1993. وكانت هذه المناورات فيما مضى تهدف إلى إخافة روسيا. وأما اليوم، فلابدّ من تجديدها ليس بهدف إخافة روسيا طبعاً وإنما لضمان بقاء مؤسسات "الناتو" العسكرية متكاملة، ولكي يتعرف الجنرالات الأميركيون على نظرائهم الأوروبيين، والعكس صحيح، ولتستمر الدول الأعضاء في "الناتو" وفي جواره في الاعتقاد بأن الحلف أمرٌ قائم، وما زال موجوداً. وتكمن قوة "الناتو" في قدرته على إظهار صورة القوة، والثقة، والتكامل (والحفاظ على واقعيته). وبإمكان المناورات سواء كانت واقعية أم إلكترونية أن تساهم في تحقيق ذلك. وأستطيع حتى أن أتخيل إدراج روسيا نفسها في ذلك المجهود قريباً. فمن يدري؟ قد يحلّ اليوم الذي نجد فيه أنفسنا نساعد روسيا على الدفاع عن نفسها في مواجهة الصين. ويبدو الأمر الآن وكأن روسيا قد وافقت أصلاً على سبيل التجربة على الانضمام إلى حلف دفاعِ صاروخي، بغض النظر عن تشعبات هذا الأمر وتعقيداته. ولابدّ للمؤسسات من هذا النوع أن تقوم عموماً بما تجيده. وتوسيع "الناتو" يشكل إحدى قصص النجاح القليلة للسياسة الخارجية لما بعد الحرب الباردة. وعبر ضمّ بعض الدول التي كانت معادية فيما مضى للحلف تحت مظلةٍ أمنيةٍ، تمكنا، وبتكلفةٍ محدودةٍ، من تكريس "تغريب" سياسي، واقتصادي، وإيديولوجي لجزء كبير من القارة الأوروبية. وبإمكاننا الاستمرار في هذه العملية. وإن كانت الحظوظ أقلّ ولاسيما أن سنة 2010 ليست مماثلة لسنة 1990، كما أن الدول خارج "الناتو" أكثر فقراً وتوتراً من الدول التي انضمت حديثاً إليه. إلا أن الوجود بحد ذاته لحلفٍ عسكري غربي ذي مصداقية يبقى، بالفعل، عاملاً مشجعاً لدول أخرى على الحدود الأوروبية. ويبدو الوقت الآن مؤاتيّاً بشكلٍ نادر. فحاليّاً لدينا حكومة مؤيدة للغرب في مولدافيا في حين أن الحالة الجيوسياسية في أوكرانيا غير واضحة المعالم، ومن المتوقع أن تتم الانتخابات في روسيا البيضاء في ديسمبر الجاري. وأما نحن في الغرب، فلم نعد نكنّ التقدير لأنفسنا، إلا أن الأوروبيين على حدودنا ما زالوا يعتبروننا مصدر إلهامٍ قويّاً. وطبعاً لن نبقى كذلك إلا إذا حاولنا الانخراط الإيجابي في التزاماتنا. ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ينشر بترتيب مع خدمة "نيويورك تايمز"