بصرف النظر عما ستؤول إليه الأوضاع في العراق خلال الأشهر القليلة المقبلة، طرحت التقارير التي نشرت في الأشهر الأخيرة عن سوء تقدير الإدارة الأميركية لوجود أسلحة دمار شامل في بغداد، وفي ما بعد عن تورط بعض المسؤولين الكبار في إعطاء الضوء الأخضر لاستخدام أشكال متعددة من العنف على سجناء "جوانتانامو"، ثم على سجناء سجن "أبوغريب" العراقي الشهير، تساؤلات عديدة حول آلية عمل الديمقراطية الأميركية، وعملية اتخاذ القرار في أعظم قوة عالمية قائمة.ومن نافلة القول: إن هذه التساؤلات قد أسهمت أيضا في تقويض صدقية السياسة الأميركية المتعلقة بنشر الديمقراطية وفرض الإصلاح في البلاد العربية.فكيف أمكن في دولة بحجم الولايات المتحدة وقوتها ونفوذها أن يتم تزوير الحقائق والتلاعب بالمعلومات لتبرير حرب تبين التجربة كل يوم كم كانت قصيرة النظر، وكيف يمكن لمسؤولين عسكريين ومدنيين كبار في مثل هذه الدولة الحض على ممارسات لا إنسانية يخجل منها الرأي العام الأميركي نفسه أو التغطية عليها حتى اكتشافها من قبل أحد الصحافيين؟
الجواب هو المصاعب التي يواجهها كل مشروع يقوم على إرادة السيطرة بالقوة، ويراهن على التفوق العسكري الساحق من اجل تبرير الانفراد بالقرار، ورفض الحوار والتعاون مع الأطراف الأخرى بما في ذلك الأطراف الحليفة.وما حصل مع الأميركيين يحصل يوميا مع الإسرائيليين، وحصل من قبل مع الحركتين الفاشية والنازية للسبب نفسه،وهو ما حصل في حقبة المشاريع الاستعمارية الكلاسيكية، وهو ما يحصل داخل بعض الدول الاستبدادية العربية وغير العربية أيضا.ففي جميع هذه الحالات التي تقبل بمبدأ السيطرة بالقوة، ليس أمام الدولة أو السلطة المسيطرة، أو الطامحة إلى السيطرة من وسيلة أخرى لفرض إرادتها، وإجبار الأطراف الضعيفة على التنازل عن حقوقها، سوى الاستخدام الموسع للعنف اللاقانوني واللاإنساني معا.ولأن استخدام القوة والعنف خارج القانون، وضد القيم الإنسانية لا يمكن أن يمر من دون أن يثير اعتراضات كبيرة من قبل الرأي العام الذي ليست لديه مصالح واضحة ولا مباشرة في هذه السيطرة، كان لا بد من تشويه هوية الضحية وصورتها، وقلب الآية بحيث يكون العنف اللاقانوني المستخدم ضدها ردا على العنف اللاقانوني والبدائي الأول الذي تقوم به الأطراف الضحية. ومن هنا يرتبط اللجوء المتزايد إلى العنف اللاقانوني لدى قوات الاحتلال في كل زمان ومكان، بتطوير آليتين متكاملتين هما التمييز العنصري ضد الطرف المخضع بالقوة، وقلب المعادلة وتحويل الضحية إلى جلاد، والجلاد إلى ضحية عن طريق تسليط الأضواء على عمليات العنف أو الإرهاب التي تلجأ إليها بعض التيارات الأقلية اليائسة في مواجهة نظام الاحتلال.
وفي هذا السياق يمكن فهم السرعة التي انتزعت بها الإدارة الأميركية تقارير الأمم المتحدة حول التنمية الإنسانية في المنطقة العربية لتبرز صورة التخلف والتأخر الإنساني والأخلاقي العربي من جهة، والطريقة التي لجأت إليها للربط بين الإسلام كدين وعقيدة وبعض حركات التطرف السياسية المتوشحة بالدين.وأصل اللجوء إلى التمييز العنصري وتشويه صورة الضحية أو بالأحرى قلب الوقائع وجعل الجلاد هو ضحية العنف لا العكس هو دفع الأفراد من الجلادين والضحايا معا إلى استبطان العنف والقبول به كحل لا مهرب منه، ولا بديل له. فإذا كان منطق الاحتلال يفسر اللجوء إلى العنف كتعبير عن القوة، وتأكيد للتفوق الذي يريد أن يكون مصدرا لحقوق جديدة خاصة، حقوق الأقوى، فإن تحطيم الضمير أو إفساده هو شرط لا بد منه لخلق الإنسان كجلاد أو كضحية والقبول بممارسة التعذيب أو تلقيه إزاء بشر أخوة في الإنسانية. بمعنى آخر تساعد العنصرية الجلادين على الشعور بأن من يقفون في مواجهتهم ليسوا جماعات بشرية بالمعنى ذاته للكلمة.ولذلك تجد المحتلين يطلقون على ضحاياهم دائما ألقابا، وصفات تقربهم من الحيوانات أو تطابق بين بعض صفاتهم وصفاتها.إنهم قردة وكلاب أو خنافس أو ينتمون إلى عروق منحطة لا قيم لديها، ولا مبادىء ولا ثقافة. ولا تهدف الفلسفة العنصرية إلى شيء آخر سوى وضع أسس نظرية لهذا التمييز الذي لا يسمح لممارسي العنف من المحتلين بالشعور بالتفوق الأخلاقي والعقلي على ضحاياهم فحسب، ولكنه يمكنهم أيضا من الممارسة العفوية للعنف كما لو كان عملا تطهيريا. وهكذا، بفضل العماء الذي تقود إليه العنصرية، لا يشعر الجلاد، سواء كان ضابطا كبيرا أم جنديا بسيطا أم رئيسا للجمهورية، بأن ممارسته للتعذيب والأعمال المحاطة بالكرامة أو تغطيته عليها يعني سقوطا في الوحشية وإنما ينظر إليها، بالعكس، كما لو كانت دفاعا عن الحضارة أو النظام أو المصلحة الوطنية.
إن ممارسة التعذيب اللاأخلاقية، التي كشفت عنها التقارير في مئات السجون الاحتلالية والوطنية التي تتكاثر على الأرض العربية، لا يمكن فصلها عما سبقها من تعبئة مستمرة ضد المجتمعات العربية والإسلامية، والتي شارك فيها ولا يزال عنصريون إسرائيليون واستعماريون جدد وحالمو الإمبراطوريات بالاضافة إلى