لا يني السؤال العنيد "أين الخلل" يحتل قلب السجال التاريخي الذي يواجهه العرب تحديداً والمسلمون عامة على مدار القرنين الماضيين: هل يكمن الجواب في العطب الداخلي أم في التدخل والأطماع الخارجية؟ هناك مقاربات وإجابات عدة على هذا السؤال لكن أغلبها يحيل مسؤولية التأخر التاريخي الذي نواجهه إلى العوامل الخارجية والاستعمار والتدخلات المستمرة. هذه السطور وكاتبها أكثر ميلاً إلى رأي الأقلية الذي يعزو التردي العام إلى الاختلالات الداخلية والضعف البنيوي الذي لحق بمجتمعاتنا وثقافتنا واجتماعنا السياسي، والذي جعل المنطقة فريسة سهلة ومغرية للآخرين. هذا قانون قريب من القوانين الفيزيائية والتجربة التاريخية تدعمه من دون انقطاع. المشكلة الأساسية تكمن في تفاقم الضعف والذي ما أن يحدث حتى يغري الأقوياء بالقدوم والتدخل. اللوم الأساسي على صاحب البيت الذي ترك أبواب بيته ونوافذه مشرعة للغرباء والناهبين. في السياق العربي والإسلامي نرى كيف اشتغل هذا القانون بطريقة صارمة. في مرحلة ما قبل الإسلام كان الضعف والتفرق هو السمة الأبرز، وهو الذي خلق فرصاً وثغرات للفرس والروم للسيطرة على العرب وإخضاعهم. عندما قوي العرب، أي عالجوا ضعفهم الداخلي وتوحدوا في ظل الرسالة الإسلامية تغير الوضع، وتمكنوا من صد الغزاة. الضعف هو الذي يغري الغازي، والنهوض يتم في خضم الصراع، لكن جذره ومنطلقه الأساس داخلي. يقود هذا إلى التأمل في مفهوم الإصلاح ومن أين نبدأ وفيما إن كان من الضروري أن ينطلق من إصلاح الفكر الديني أم من خارجه، وهذا يستلزم نقاشاً طويلاً. لكن يمكن القول باختصار إن هناك مقاربتين الأولى هي شرط الابتداء بإصلاح الفكر الديني على غرار ما حصل في أوروبا والإصلاح البروتستانتي، والثانية الانتفاض تماما عن هذا المسار واختصار الوقت. والمقصود تفصيلاً بالمقاربة الثانية هو أن خلاصات الإصلاح الديني والعقود وربما القرون التي يستنزفها ستقود إلى نهايات شبيهة بالتجربة الأوروبية في تحييدها للدين عن الفضاء العام وفصله بمساحات مريحة عن السياسة. لماذا إذن نريد تضييع وقت ثمين حتى نصل إلى نتيجة معروفة سلفاً، وهي النتيجة الإنسانية الوحيدة التي يمكن أن تفض الاشتباك وتطلق الطاقات إلى المستقبل؟ ربما يقول البعض إن الحل الثاني نظري وأكاديمي وأن الرأي العام لن يستجيب له بسرعة، ولابد من الانخراط في الإصلاح طويل المدى، وهو قول فيه وجاهة كبيرة. لكن هذا لا يعني نقضه تماماً وعدم التفكير فيه. وعلى العموم ربما يمكن الزعم بأن تاريخ التسيس الإسلامي منذ وفاة الرسول صلى الله عليه وسلم وحتى انهيار الدولة العثمانية، ثم التسيس الحركي الذي نشهده الآن في حقبة التيارات الإسلامية، هو تسيس علماني في جوهره، ديني على السطح والشعارات. كل التجارب الإسلامية محركها الأساسي هو المصالح فيما تأتي الأيديولوجيا الدينية في المرتبة الثانية، سواء أكان إنجازها هدفاً أصيلاً أم تبريراً ذكياً. الأيديولوجيا تطلق المشروع في بداياته، والسياسة تتسلم زمام القيادة وتنحي الأيديولوجيا من دون تردد. لكن الاعتراف بهذه الحقيقة يراه كثير من الإسلاميين وكأنه خروج عن الإسلام. إحدى العقبات الكبيرة في وجه هذا الاعتراف لفظية وتكمن في تعبير "العلمانية" الذي شهد تشويهاً مريعاً، وتنسب إليه كل الشرور. بينما هي الصيغة التي كفلت وتكفل تعايش المجموعات المختلفة وتضمن الإطار العام للاجتماع السياسي، وكانت موجودة فعلاً في حقب واسعة من التاريخ الإسلامي وإن لم تكن معروفة لفظاً. وأحد تمظهرات التعلمن في التاريخ الإسلامي هو التنوع الغني الذي شهدته المجتمعات الإسلامية في سياق تطبيقها للإسلام ومواءمته مع الظروف المحلية. وهنا نرى نشوء صيغ من الإسلام العربي، والإفريقي، والآسيوي، وحالياً الأوروبي، والأميركي. هذا التنوع في صيغ الإسلام استجابة طبيعية للظروف الموضوعية التي يتواجد فيها المسلمون. فضلاً عن ما سماه كثيرون ضرورة بروز "فقه الأقليات" أي الفقه الخاص بالمسلمين عندما يكونون أقلية في بلاد غير مسلمة، وهذا أمر حديث في تاريخ الإسلام. تاريخياً كان السؤال المطروح هو العكس: أي إيجاد فقه يُعامل الأقليات غير المسلمة في بلاد المسلمين. التجرية التاريخية تنقض المقولة الأيديولوجية التي يكررها من دون وعي كثير من الإسلاميين والقائلة بأن الإسلام صالح لكل زمان ومكان. لكل زمان ولكل مكان اشتراطاته، وحتى في الفضاء الإسلامي نفسه نرى تطبيقات وتفسيرات مختلفة للإسلام، فالإسلام التركي غير الإسلام العربي، والإسلام الأندونيسي غير الإسلام السنغالي أو الأوروبي. وهكذا نحن إذن أمام خيارين: إما أن نقر بكل هذه الصور والتنويعات للإسلام باعتبار كل منها ناتجاً عن تفاعل مع المحيط والظروف التاريخية الخاصة به، أو أن ننخرط في حرب فكرية وسياسية أهلية هدفها إثبات أن هناك صيغة واحدة ووحيدة من الإسلام، ومحاولة فرض تلك الصيغة على بقية الصيغ باعتبارها هي النقية وباقي الصيغ ملفقة ومارقة، وهي حرب أكلافها باهظة وفوق التصور والأهم من ذلك أنها أبدية ولن تنتهي.