كتبنا الكثير عن جمهورية كوريا الديمقراطية الشعبية التي ليس لها من اسمها نصيب. ومن رأى ليس كمن سمع. إذ قدر لكاتب هذه السطور أن يزور الشطر الجنوبي من شبه الجزيرة الكورية مراراً وتكراراً، مقابل زيارة يتيمة لشطرها الشمالي، ولا داعي هنا للاستطراد في ذكر الأسباب. يكفي أن نعلم أن الشمال يعيش تحت نظام ديكتاتوري حديدي، لا مثيل له في عجرفته وطيشه، فيما نفض الجنوب عن نفسه رداء الديكتاتورية واستبدلها قبل عقدين بنظام ديمقراطي مدني تعددي، يتميز بالشفافية وتعزيز سلطة القانون، ومطاردة الفاسدين. ويكفي أن نعلم أنه في الوقت الذي يعيش فيه مواطنو الشمال في خوف وفقر مدقع ومعيشة بائسة لا مكان فيها للفرح والحبور والتواصل مع العالم الخارجي بحرية، وفي ظل نظام يجير مقدرات البلاد للإنفاق على الاستعراضات العسكرية الضخمة، وصناعة أدوات التدمير والقتل والتخريب، ورسم اللوحات الجدارية العملاقة التي تمجد القائد العزيز الملهم، شمس القرن الحادي والعشرين الرفيق "كيم جونج إيل" وعائلته، وإطناب المديح للزعيم الفرد، يعيش إخوتهم في الشطر الجنوبي في بحبوحة من العيش، فيما ثروات بلادهم تنفق على التنمية المستدامة، والتصنيع، والبناء، والأبحاث العلمية المؤدية إلى خير البشرية جمعاء. بطبيعة الحال، قد لا يعجب هذا الكلام البعض ممن لا يزال يراهم على نظام "بيونج يانج" وأشباهه من الأنظمة المشاغبة، فقط لمجرد أنها تقف، بعنترياتها وشعاراتها وتهديداتها، في "زور" المخططات الأميركية الشريرة. لكن مهما قال هؤلاء، ومهما تمادوا في إعجابهم بالنظام الكوري الشمالي، ودافعوا عنه بالحق والباطل، فإن حقيقة البؤس الذي يعيشه مواطنو الشمال، والذي وصل حد تقنين الإنارة في محاولة لتوفير الوقود، وبالتالي جـَعـَل تلاميذ المدارس يراجعون دروسهم ويحلون واجباتهم المدرسية اعتمادا على أنوار الشوارع، أمر لا يمكن إخفاؤه، خصوصاً في هذا العصر المتميز بالثورة الإعلامية العابرة للقارات. نعود اليوم لنكتب مجدداً عن شبه الجزيرة الكورية على خلفية ما حصل مؤخراً حينما سخنت "بيونج يانج" فجأة خط الحدود الفاصل بين الكوريتين، والذي ظل هادئاً بصفة عامة منذ انتهاء الحرب الكورية المعروفة في عام 1953. ففي الثالث والعشرين من نوفمبر الماضي أطلقت "بيونج يانج" نحو 180 قذيفة على جزيرة "يوونبيونج" الكورية الجنوبية الواقعة في البحر الأصفر (ظلت هذه الجزيرة مكاناً لحوادث واشتباكات متكررة بين قوات الكوريتين منذ عام 1999 بسبب ما يدعيه الشماليون من أن الخط الذي يفصل بلادهم عن الشطر الجنوبي يجب أن يبدأ في موقع خلف الجزيرة المذكورة)، الأمر الذي أفضى إلى مقتل أربعة كوريين جنوبيين (مدنيان وعسكريان)، علاوة على إصابة 18 آخرين بجروح (15 عسكرياً و3 مدنيين). أكثر ما أضحكني وأنا أتابع هذه الأخبار هو المبررات التي ساغها نظام "بيونج يانج" للقيام بتلك العملية الطائشة. إذ قيل أن الأمر يتعلق ببيان سيطرة وشرعية الزعيم المقبل لكوريا الشمالية، أي "كيم جونج أون" الذي فضله والده على أخويه الآخرين قبل أكثر من شهر ليكون وريثه وخليفته على عرش البلاد، حينما يوافيه الأجل، ولكأنما شرعية الابن وبيان سيطرته على الأوضاع لا يتحقق إلا باستعراض العضلات، قصفاً للآخرين وقتلاً للأبرياء وتوتيراً لأجواء السلام في منطقة شمال شرق آسيا. الأمر الآخر الذي أثار ضحكي هو أن "بيونج يانج" اعتدتْ على جارتها، ووصفتها عبر إعلامها المسيـّر بالعدو، ثم راحت تتهمها بالتباطؤ في إرسال المعونات والمساعدات الاقتصادية لإخراجها من مآزقها الاقتصادية التي أوصلت البلاد والعباد إلى شفا المجاعة كما يـُجمع كل المراقبين والمحللين. ومما لا شك فيه أن زعماء "بيونج يانج" يراهنون كثيراً على عقلانية قادة "سيئول" في قيامهم بمثل هذه الأعمال الصبيانية، وأعمال أخرى من قبيل الإعلان من وقت إلى آخر عن بنائهم لمنشأة جديدة لتخصيب اليورانيوم، أو تدشينهم لصاروخ نووي عابر للقارات. هذه الأعمال والتصرفات التي أحرجت حتى أقرب حلفائهم، بل الحليف الدولي الوحيد لهم ونعني به الصين. فسيئول، كما اتضح في مناسبات سابقة، تحرص على ضبط النفس وعدم الانجرار إلى حرب شاملة في شبه الجزيرة الكورية، رغم امتلاكها لجيش قوي منضبط وقدرات قتالية معتبرة، خصوصاً في ظل اتفاقياتها العسكرية مع حليفتها الأميركية. والأسباب تكمن في اكتراثها الشديد بأرواح مواطنيها، واهتمامها بالمحافظة على ما حققته من إنجازات رائعة في ميادين التصنيع والتعليم والتدريب والبنية التحتية، على الأقل، منذ وصول الجنرال "تشونج بارك هي" إلى الحكم في أواخر السبعينيات. هذا الرجل الذي رغم قمعه وحكمه الديكتاتوري، صار يـُذكر في الأدبيات الكورية الجنوبية كواضع للبنات الأولى لما تتمتع به البلاد اليوم من نهضة صناعية جبارة ورخاء، ومستويات معيشية جيدة، على اعتبار أنه كان صارماً، لا يسمح بالتسيب والفساد، ومطبقاً لمبدأ مكافأة النجباء ومعاقبة الكسالى والفاسدين. على العكس من ذلك، لا يهتم نظام "بيونج يانج" بدروس الماضي وكوارثه وآلامه، لأن ليس لديه ما يخسره إن أحرق الأخضر واليابس، فضلاً عن أن مواطنيه يقاسون الآلام سواء بالحرب أو بدونها. والحال أن الجهة الوحيدة التي تستطيع اليوم لجم "بيونج يانج" وتحجيمها هي بكين. فهذه الأخيرة لها دالة على "بيونج يانج"، كونها المنفذ الوحيد للأخيرة إلى العالم الخارجي. كما أن الصينيين، بحسب بعض التقارير، باتوا منزعجون أكثر من أي وقت مضى من طيش "كيم" وبطانته وتصرفاتهم، ويحبذون أن يعززوا دورهم الدولي وموقعهم الدبلوماسي في العالم من خلال التجاوب مع النداءات الدولية لتثبيت السلام في شبه الجزيرة الكورية والمنطقة المجاورة لها. وربما انطلاقا من هذه الفرضية، توقف المبعوث النووي الأميركي "ستيفن بوسوورث" في بكين بعد زيارة سريعة له إلى طوكيو وسيئول، وذلك من أجل التنسيق مع الصينيين وحثهم على اتخاذ خطوات حاسمة في كيفية التعامل مع "بيونج يانج". ومما قيل في هذا السياق، إن توقيت حادثة قصف جزيرة "يوونبيونج" معطوفاً على توقيت الإعلان عن تدشين منشأة نووية جديدة، يشيران إلى مدى امتعاض "بيونج يانج" من جولة المسؤول الأميركي، بل جاءا كرسالة تحد منها للعالم أجمع بما في ذلك الصين.