في كتابه القيم الذي يحمل عنوان "ثمن السلطة"، قام الصحفي الأميركي المتميز سيمور هُرش بتفكيك الأسطورة التي جعلتنا نعتقد أن هنري كيسنجر كان عبقريّاً لامعاً؛ حيث أظهر هرش أن كيسنجر انتهازي استعمل السلطة والسياسة الواقعية بدهاء للتلاعب بالناس والأحداث سعياً وراء تعظيم ذاته في عيون الآخرين. وفي لغة العلاقات الدولية، يسمى كيسنجر واقعيّاً لأنه يعمل انطلاقاً من الفكرة الجوهرية التي مؤداها أن كل السياسة الدولية هي في نهاية التحليل صراع على السلطة. والأكيد أن أوباما ليس كيسنجراً آخر؛ فقد جلبت سياستُه الداخلية والخارجية تحولًا مرحباً به للغاية مقارنة مع سياسات سلفه؛ كما أنه لم يستعمل مهاراته الخطابية من أجل رفع المعنويات فحسب، وإنما من أجل التعبير أيضاً عن إيمان صادق بمجموعة من المثل، وبخاصة تشديده على أهمية الدبلوماسية، واحترام المؤسسات متعددة الأطراف، وجهوده الرامية للتقرب من العالم الإسلامي في إطار الاحترام المتبادل، مثلما أوضح ذلك خطابه في القاهرة العام الماضي، وأكده خطابه الأخير بجامعة جاكرتا في إندونيسيا. وعلاوة على ذلك، فإن التزام أوباما بالسلام في الشرق الأوسط، وبخاصة بحل سلمي للنزاع الإسرائيلي- الفلسطيني، يستحق الإشادة هو أيضاً ويكاد يكون غير مسبوق في تاريخ السياسة الخارجية الأميركية في الشرق الأوسط. وفي لغة نظريات العلاقات الدولية، يوصف أوباما بأنه مثالي، لأنه يؤمن بدور القانون الدولي والمؤسسات متعددة الأطراف ودور الدبلوماسية في العلاقات الدولية. ولكن، في ضوء كل هذا، لماذا يلجأ أوباما إلى تقديم رشى لإسرائيل لجعلها تتوقف، ولو مؤقتاً، عن الاستمرار في خرق القانون الدولي بشكل سافر عبر سعيها الحثيث إلى بناء المستوطنات في الأراضي الفلسطينية المحتلة؟ فقد أفادت الصحافة الأميركية والإسرائيلية على نطاق واسع بأن أوباما عرض على نتنياهو مجموعة مذهلة من "الحوافز" مقابل تجديد الحكومة الإسرائيلية لقرار تجميد الاستيطان الذي انتهى مؤخراً لثلاثة أشهر إضافية. والواقع أن هذه "الحوافز" مذهلة بالفعل نظراً لحجمها وطبيعتها وتداعياتها بالنسبة لما يسمى بعملية السلام؛ وذلك لأن هذه "الحوافز" تشمل، على ما يقال، أنظمة أسلحة متطورة و20 طائرة حربية حديثة من طراز "إف 35"، كما تشمل ضمانات أمنية إضافية تقدمها الولايات المتحدة، زيادة إلى دعم دبلوماسي للموقف الإسرائيلي في الأمم المتحدة؛ ما يعني معارضة أميركية لأي خطوة عربية أو فلسطينية تروم حمل الأمم المتحدة على الاعتراف بإعلان فلسطيني أحادي الجانب بالاستقلال. والمثير للاستغراب أيضاً هو ما تردد كذلك أنه التزام من قبل إدارة أوباما بعدم المطالبة بتجميد آخر للاستيطان في الأراضي الفلسطينية المحتلة. والحال أن الأمر يتعلق هنا برهان خطير على أن تتفق الأطراف على الحدود النهائية في غضون 90 يوماً؛ وإلا، فإن واشنطن ستترك الفلسطينيين تحت رحمة إسرائيل التوسعية التي ازدادت عربدة وتحديّاً، وهو ما قد يعني نهاية المفاوضات. إن هذه المساعدات الاقتصادية والإمدادات العسكرية الضخمة مفاجئة لأنها تأتي في بداية عملية المفاوضات ومقابل تأييد ما هو في حقيقة الأمر التزام إسرائيلي واضح ضمن خريطة الطريق (حظر كل أنشطة بناء المستوطنات)، التي تمثل في نهاية المطاف الأساس المتفق عليه لعملية المفاوضات. وبالتالي، فماذا سيعرض أوباما إذن متى وصل الطرفان إلى طريق مسدود عندما يتطرقان للمواضيع الأكثر خلافية مثل وضع القدس وحق اللاجئين؟ ثم إن الدعم الدبلوماسي والسياسي الذي يقال إن أوباما وعد به مذهل لأنه يمثل قطيعة مع الدور الذي يجب أن تلعبه الأمم المتحدة والقانون الدولي في حل النزاع. وعلاوة على ذلك، فإنه يتجاوز ويقلل من شأن دور الأعضاء الآخرين في "الرباعية" -روسيا والاتحاد الأوروبي والأمم المتحدة. ولو حدث ذلك، فإنه سيعرِّض للخطر الأساس نفسه الذي يقوم عليه ما يسمى بعملية السلام، أي القانون الدولي وعدد من قرارات مجلس الأمن، وبخاصة القرار 242 الذي أسس لمبدأ الأرض مقابل السلام. وسيتم استبعاد خريطة الطريق و"الرباعية" وقرارات الأمم المتحدة ووضعها جانباً لصالح مقاربة تتم بموجبها مكافأة المحتل حتى يوقف خرقه للقانون الدولي مؤقتاً بينما ستتم ممارسة الضغط على الطرف الأضعف من أجل التوصل لاتفاق بسرعة قبل مصادرة مزيد من الأراضي وقبل أن يزداد الاحتلال تجذراً وترسخاً وعربدة. ثم لنقلب الموضوع على جانبه الآخر، ترى لماذا ستوافق إسرائيل، تحت هذه الظروف، على تسوية تُناقض تفضيلها الواضح للأرض على السلام؟ وماذا سيحدث في حال لم يتم التوصل لأي اتفاق بشأن الحدود بعد انقضاء ما يمكن المجادلة بأنها أكثر 90 يوماً تكلفة بالنسبة لدافع الضرائب الأميركي في تاريخ الدعم الأميركي لإسرائيل؟ وما الذي سيمنع نتنياهو من ابتزاز حاميه وحليفه الآن وقد أثبت هذا الأخير أنه طيّع جدّاً وسهل الانقياد لدفع ثمن باهظ إلى حد غير معقول مقابل تعليق قصير نسبيّاً لتصرف سيئ أصلاً ومناقض للقانون الدولي؟ ثم ما الذي تعكسه هذه المقاربة بشأن المثل النبيلة والسامية التي نضحت بها خطابات أوباما خلال حملته الانتخابية؟ الواقع أن أوباما ربما ما زال هو ذلك الرجل المثالي الذي صدقه كثيرون، ولكن مثاليته تأثرت بفهم عميق لحدود المثالية عندما شغل أقوى مكتب في العالم. ثم إنه حتى على افتراض الصدام الحتمي بين المثل وواقع السلطة، إلا أنه من الصعب مع ذلك فهم الكيفية التي سيمثل بها تقديم رشى لإسرائيل من أجل حثها على التفاوض حول السلام استراتيجيةً أفضل من مكافأتها على التوصل إلى السلام نفسه دون رشى. وأي ضمانات يمكن أن يحصل عليها الطرف الأضعف الذي تُسرق أرضه، بينما يتجادل أوباما ونتنياهو حول كم سيدفع الأول للثاني مقابل تعليق نزعته التوسعية لبضعة أيام إضافية؟ إن السلام الحقيقي هو نتيجة مصالحة صادقة بين أعداء سابقين قرروا وضع الكراهية واللامساواة جانباً؛ ومن الخطأ الاعتقاد بأن تقديم رشوة لأحد الطرفين من أجل الإبقاء على العملية حية سيمدها بالنوايا الحسنة وروح النزاهة.