جميع الفضائيات العربية الجادة في برامجها الثقافية الوثائقية عالة على البرامج الأوروبية والأميركية، خاصة تلك التي تعرض على قنوات مثل ديسكفري والتاريخ وكوكب الحيوان وناشونال جيوغرافي، حيث تتجلى الجرأة والدقة والتوثيق والعرض الشيق، وحيث يتعرف المشاهد على عوالم غريبة لم تخطر له يوماً على بال. في حين أن العرب لا توجد لديهم المقدرة الذاتية - بدون مساعدات علمية وتقنية غربية- على صنع برنامج وثائقي واحد! والسؤال: لماذا لا نستطيع ذلك؟ لماذا يعجز العرب عن توثيق حياة مجتمعاتهم، وتاريخهم، وبيئتهم، وحضارتهم؟ أعتقد أن هناك سببين، الأول: تقني. والثاني، يتعلق بالحرية، دون الحاجة إلى التذكير بأن العرب لم يحققوا أي إنجاز حضاري في الخمسمائة سنة الأخيرة.
إذا كانت الأسباب التقنية من العوامل التي يمكن التذرع بها لعدم إنتاج مثل هذه البرامج، فمن المؤسف عدم الاعتراف بحالة العقم العقلي التقني التي تلازم العقلية العربية في مجتمعات بني يعرب. فالعقلية، أية عقلية تحتاج إلى بيئة فكرية خصبة حتى تتمكن من العمل، والعلماء العرب ممن لا ينكر دورهم عاقل في بلاد الغرب بسبب كون البيئة الغربية بيئة عمل وابتكار وإنتاج وحفظ للحقوق.
أما الأمر الآخر: الحرية، فهي ما لا نعرفه في مجتمعاتنا العربية. هل يستطيع أي دكتور أو أي باحث في التاريخ أن يكتب حول تاريخ المنطقة بحرية دون أن يضع الخطوط الحمراء لنفسه؟ هل من الممكن بحث مختلف القضايا الاجتماعية دون أن يحسب الباحث حساباً للقوانين الجائرة التي تمنع الباحث الجاد من "التعمق" في موضوع البحث، خاصة تاريخ المنطقة المليء بالأحداث السلبية من انقلابات قصر، وتقصير وتهاون في إدارة البلاد، أو موضوعات الفضائح مثل المخدرات والدعارة؟ ولا خلاف على أنه مطلوب من الباحث أن "يبيِّض" وجه بلاده حين يتحدث عن تاريخها أو قضاياها حتى ولو كان ذلك على حساب الموضوعية العلمية.
لذلك تضطر القنوات الفضائية التي تعرض برامج وثائقية عن مختلف الأحداث التاريخية إلى الشراء من القنوات أو الشركات الغربية. ولولا هذه البرامج العلمية والوثائقية لما تمكنت القنوات الفضائية العربية من الإرسال لأكثر من بضع ساعات. لذلك نتساءل: هل حان الوقت للبدء في العمل بجدية في هذا المجال ولو في مجال البيئة والمجالات العلمية، على الأقل لكي نبدأ كمجتمعات متحضرة من توثيق حاضرنا. ولعل البرنامج الوثائقي "حرب لبنان" الذي أنتجته "الجزيرة" يمثل عينة جيدة لما نريده من برامج. لكن لا مجال لاعتراض أية حكومة على تمويل برامج تتعلق بأنواع الحيوانات البرية والبحرية والطيور الموجودة في كل بلد عربي بما يمثل موسوعة علمية عن الحيوانات، كما هو حال برنامج "أوروبا الخافية" الذي يعرض للحيوانات المجهولة الموجودة في المدن الأوروبية، أو المحميات البرية والبحرية، أو عن التلوث البيئي. لكن إذا لم تعرض هذه البرامج بشكل مشوق وبتقنية عالية فلن يُقبل عليها المشاهد العربي. كما يمكن توثيق تاريخ البداوة والقبائل، أو الأحداث التاريخية غير الحساسة سياسياً، لكي يتطور الأمر بعد ذلك إلى ما هو أبعد. ومثل هذه البرامج إذا ما أنتجت ستتيح إمكانية استخدامها تعليمياً للطلبة في المدارس بدلاً من أسلوب التلقين الممل وغير العملي. فهل سيتمكن العرب من تحقيق هذا الأمر يوماً ما؟