ماذا بقي ولم يُضرِم فيه الفساد نارَه؟ فقد وصل الفساد إلى "الفيفا" بعد اتهام اثنين من أعضاء اللجنة التنفيذية -من ضمن أربعة وعشرين- الذين يعود لهم قرار اختيار مكان إقامة كأس العالم، بالتورط في تجاوزات مالية أو الحصول على رشى. أليست الرياضة أدباً وأخلاقاً وفناً؟ على الصعيد العالمي تغلغلت السياسة في مرابع الرياضة وجرَّتها نحو تشابه الأجواء في الفساد. وعندما يقف جوزيف بلاتر رئيس الاتحاد الدولي لكرة القدم، وهو السويسري الذي يعد في مصاف حكام الدول، ويقول لابد من إيقاف ظاهرة الرشوة، فهذا يعني أن الأمر قد ازداد سوءاً وتحول إلى ظاهرة لابد من مكافحتها. اتحاد كرة القدم الذي يعتبر فاعلاً دولياً، وصاحب قرار في أهم صناعة اقتصادية، يقف محتاراً إزاء هذا التهاوي الأخلاقي المخيف، الذي يشكو منه اتحاد في حجم الاتحاد الدولي لكرة القدم، يطرح أسئلة لا تنتهي. ويتهم السياسة بالتوغل في أعماق رياضة يفترض بها أن تكون بعيدة عن صراع مقيت لا يوقفه مكان أو زمان أو حتى أشخاص. وبقدر ما يزعج وصول الرشوة إلى معقل يفترض به الاستقامة إلى أقصى الحدود، فإن الفضيحة التي أثارتها صحيفة "الصنداي تايمز" أشعلت حالة غضب عارم، وصوت التشكيك في نزاهة الاختيار صار عالياً. وكعادة الصحافة الحرة، هي بصر وبصيرة الشعب في كل مكان، ولعلها إضافة جديدة تضاف إلى الكثير من البطولات، التي حققتها الصحافة وقلبت حقائقها الكثير من المفاهيم المغلوطة أو الصحيحة كما كان يظن. ولكن ما كان مستبعداً هو مؤسسة بحجم الاتحاد الدولي لكرة القدم في فضيحة من هذا النوع، فهي قضية لن تقف عند أشخاص فقط، بل ستمتد إلى اتهام دول وأنظمة سياسية، لأن اختيار دولة الاستضافة لأهم حدث عالمي يعني أن تتحدث عن المليارات المنفقة والمستثمرة في هذا الحدث، وعليه فإن الرشوة هنا تشكل عنصراً صغيراً في فكر يسعى بكل ما يملك إلى الوصول إلى العناصر الأكبر والأهم، وهي الفكرة الاقتصادية التي قوم عليها المونديال. ومن العبث الزعم بأن النزاهة هي سمة جميع المؤسسات.. هذا ما وصلنا إليه بعد تكرار قضايا الفضائح والفساد والرشوة، ومن العبث أيضاً أن يكون المرتشون من شعوب عانت طويلاً من الفساد والرشوة. ورغم هذا، لابد من الحفاظ على الرياضة وعلى سمعتها، لأنها عنوان التنافس الشريف، فقد حان الوقت للخروج من النفق المظلم المحاط بالفساد وكوابيسه. فالعالم اليوم يئن من وطأة أزمة مالية، مردها إلى فساد حقيقي اجتاح في وقت من الأوقات عالم العقار والبنوك، وها هو يمتد اليوم ليصل للرياضة، وكان قد وصل إلى تفاصيل الحياة اليومية لكثيرين. وأياً كان الفائز باستضافة المونديال في نسخه المقبلة، وهو ما سيعلن عنه في الثاني من ديسمبر القادم، فإن الحدث بذاته ساحر، وله الملايين من عشاق أنقياء كل ما يجمعهم هو ولعهم باستدارة الكرة وفن ركلها. ولا يعني المتفرج أبداً الضحايا أو الكوابيس التي أميط عنها اللثام من خارج الملعب المستطيل، ما يهم هو الاستمتاع بلعب نظيف لا يمكن بأي حال رشوته أو إفساده أو حتى ادعاء كذبه!