قضية "كراتشي" تستفز ساركوزي... و"المتعثرة" تزعزع النظام المالي الأوروبي --------- إثارة قضية "كراتشي" مجدداً تعيد احتدام المشهد السياسي الفرنسي، واستمرار الشكوك حول الحالة المالية الأوروبية، وقراءة فرنسية لسياسة حافة الهاوية في شبه الجزيرة الكورية، موضوعات استقطبت اهتمام كُتاب افتتاحيات الصحف الفرنسية. -------- عودة قضية "كراتشي" العودة الحالية للنظر في قضية تهم الفساد المتعلقة ببيع الغواصة "أغوستا" لباكستان عام 1994، والزوبعة السياسية المترتبة عليها، استقطبت اهتمام معظم كُتاب افتتاحيات الصحف الفرنسية، وخاصة على خلفية تهجم ساركوزي على صحفيين بسببها، الأسبوع الماضي. في افتتاحية صحيفة ليبراسيون قال الكاتب لوران جوفرين إن من المفهوم أن يشعر ساركوزي بكل ذلك الضيق والسخط بسبب تجدد إثارة القضية، التي لا يوجد حتى الآن ما يكفي من الأدلة للبرهنة على ضلوعه بشأنها في أية ممارسات مالية غير قانونية. ولكن هذا لا ينفي أيضاً حقيقة أن عودة الحديث عنها تمثل ضربة حقيقية لصورة "ساركوزي الجديد" التي يريد رئيس الجمهورية تكريسها، ويفضل بما لا يقاس أن تكون هي موضوع حديث الإعلام. ولأن بعض الإعلاميين أثاروا أمامه القضية، لذا لم يتردد في التهجم عليهم بعبارات نابية. ولأن تهجمه جاء بالجملة على وسائل الإعلام، وما دامت لا توجد صحيفة معينة تسمى "وسائل الإعلام"، فهذا يفرض أن ترد كل جهة إعلامية عن نفسها. وبالنسبة لصحيفة ليبراسيون، يقول الكاتب، ينبغي التأكيد حين يتعلق الأمر بقضية كراتشي تحديداً، أنها ظلت دائماً تتعامل بصرامة ومهنية مع كل ما يقع تحت أيديها من معلومات ووثائق. ولم تسجل عليها انزلاقات مهنية، وإن استمرت متابعتها الاستقصائية بفعل حاسة حب الاطلاع التي تحكم صحفييها ومحققيها الاستطلاعيين، ككل صحفيي الاستطلاع في الجرائد الأخرى. على أن هنالك طريقة جيدة لتسوية خلافات ساركوزي والصحافة حول هذه القضية بالذات، وهي الكشف في العلن عن كل الوثائق والمحجوبات. وعندها فلن تكون الصحافة في حاجة إلى التسريبات ومحاولات اختراق المصادر، ولن يكون هنالك أيضاً مجال لما يعتبر محاكمات نوايا غير عادلة، أو شطط ومبالغة في المقارنات. وفي افتتاحية ثانية في "لاربيبليك دي سانتر" قال "جاك كامي" إن من المثير للاستغراب أن تؤدي إعادة النظر في ما بات يعرف بـ"كراتشي غيت" إلى ثورة غضب لدى ساركوزي كتلك التي انتابته خلال فصول قضية فساد "كليرستريم"! وأكثر من ذلك أن ينخرط في جهود محمومة لتقديم نفسه على أنه ضحية لمؤامرة تشويه جديدة. وبالنسبة له، يبقى غريمه السياسي دومينيك دوفيلبان (وزير الخارجية السابق) مصرّاً على تلطيخ سمعته، بإطلاق ادعاءات لا أساس لها من الصحة، تساعد في ترويجها صحافة مفلسة لا همَّ لها سوى نشر الأخبار الملفقة. وبهذه الطريقة اجتمعت دفعة واحدة كل شروط هيجان "الفوبيا" في ذهن سيد الأليزيه: دوفيلبان من جهة، ووسائل الإعلام من جهة أخرى. والمزعج أكثر في الموضوع هو أن ساركوزي وقع من الآن فصاعداً في فخ استعداء الصحافة، وهي علاقة متردية كرسها هو نفسه بشكل لا لبس فيه. وواقع الأمر في هذه العلاقة الموبوءة مع الصحافة أن ساركوزي إن كان فعلاً ضحية لأحد، فهو ضحية لنفسه ولسانه، في المقام الأول والأخير. مأزق الدول المتعثرة صحيفة لوموند ناقشت في افتتاحية لها الضغوط التي يفرضها تتابع ظهور الدول المتعثرة ماليّاً في إطار مجموعة "اليورو"، مشيرة في هذا الصدد إلى أن الأسواق المالية ترفع عادة الأرباح إلى أعلى مستوى ممكن عندما يتعلق الأمر بطلبات بلد يسود الشك في قدرته على سداد ديونه، وبذلك تحاصر الحلقة المشؤومة ذلك البلد لكي يجد نفسه في الزاوية الحرجة ويلهث بحثاً عن المساعدة والإنقاذ قبل جنوحه إلى القاع. وهذا هو ما وقع لليونان بكل تفاصيله المريرة خلال فصل الربيع الماضي، وهو ما وجدت إيرلندا خلال هذا الخريف نفسها وقد وقعت فيه بكلتا قدميها أيضاً. وقد نبه الألماني أكسل فيبر، وهو عضو مجلس محافظي البنك المركزي الأوروبي، مساء الأربعاء الماضي، في باريس، إلى أن أوروبا لديها عمليّاً من السيولة ما يكفي لاحتواء الأزمة المالية الإيرلندية، وغيرها من أزمات لو وقع، كما أن أحوالها كفيلة مبدئيّاً بطمأنة الأسواق المالية، ولكن شرط كل ذلك هو ألا تعطي الآخرين ذرائع لكي يتصوروا العكس، أي افتراض هشاشة الوضع، أو استنتاج قرب وقوع أوروبا في براثن الانهيار المالي. وهنا تكمن المفارقة، حيث إن بعض الزعماء الأوروبيين، وخاصة ميركل، لا يفتأون يطلقون من الدعوات ما يولد ذلك الانطباع السلبي، أو على الأقل ما لا يستبعده من الأذهان، وبالتالي تدخل ديون الدول المهتزة ماليّاً مثل إيرلندا في حالة صعود غير محسوب، ليزداد اختلال التوازن أكثر فأكثر. وأخيراً تتساءل لوموند، في هذا الوقت الذي يفترض أن يكون فيه الأوروبيون موحدين ومتضامنين ماليّاً واقتصاديّاً، هل تبدو الصورة كذلك بالفعل؟ وهو سؤال يبدو أنه يحمل نصف الجواب، ويقترحه سالباً، بطبيعة الحال. وفي افتتاحية ثانية كتبها موريس إلريك في صحيفة "لومانيتيه"، ركز الحديث على السياسة الاقتصادية للحكومة الفرنسية الجديدة برئاسة فرانسوا فيون، في مواجهة المصاعب الاقتصادية الداخلية والأوروبية على حد سواء، معتبراً أن السياسة المعلنة حتى الآن تقوم على توازن أو بالأحرى انعدام توازن صعب، فحين يتم الوعد بضخ الأموال وزيادة الإنفاق في مجال يتم تجفيفها في مجال آخر، والعكس بالعكس. وفي حين سيتم تقليص الجباية في مجالات ستعاني مجالات أخرى من شح مالي كبير. والخاسر في لعبة ملء أو إفراغ الأواني المتقابلة هذه، هو في كل الأحوال الطبقات الوسطى والأقل دخلاً في المجتمع الفرنسي. واعتبر الكاتب أن مزاعم رئيس الحكومة فيما يتعلق خاصة بسياسات الضريبية تبدو مثار شكوك كبيرة في صحتها، وفي جدواها الاقتصادية أيضاً التصعيد الكوري الكاتب بيير روسلين حلل في افتتاحية لصحيفة لوفيغارو خلفيات وأبعاد فائض التصعيد الحالي في شبه الجزيرة الكورية، مؤكداً أن النظام الكوري الشمالي، لا يمكن اختراق توجهاته ولا قراءة اتجاه بوصلته. ولذا فقد استدعت استفزازاته الراهنة تحليلات سياسية متباينة، وإن كان يرجح عموماً، أن سلوكه الراهن يأتي استجابة لمتطلبات داخلية وخارجية، من وجهة نظر كوريا الشمالية. فعلى المستوى الخارجي تريد بيونج يانج لفت الاهتمام الدولي، بهدف انتزاع مكاسب فيما يتعلق بتخفيف منظومة العقوبات الدولية التي تثقل كاهل أحوالها الاقتصادية المتردية. وعلى المستوى الداخلي، يمر النظام الآن في مرحلة حرجة، فبعد تراجع صحة الزعيم المسن والعليل "كيم يونج إيل"، بدأت عملية توريث ابنه، صغير السن وعديم التجربة، "كيم يونج أون". وهو عمليّاً في حاجة إلى وصلة تصعيد كبرى لترسيخ وضمان ولاء العسكر والأجهزة الأمنية له. وأسوأ الافتراضات هنا هو أن يؤدي التنافر الداخلي إلى إرباك آلية اتخاذ القرار في بيونج يانج لينزلق الوضع نحو أسوأ السيناريوهات. ويبقى، أخيراً، يقول الكاتب، إن الصين، وهي الحليف الأهم لنظام كوريا الشمالية، لم تبادر حتى الآن لإرغامه على اتباع سلوك عقلاني. وعلى ذكر دور الصين في احتواء تصعيد شبه الجزيرة الكورية، جاء في افتتاحية كتبها "جان- كريستوف بلوكين" في "لاكروا"، قوله إن المسألة الكورية تبدو من التعقيد بشكل يجعل حلها مندرجاً في سياق علاقة توازن القوى الكبرى القائمة بين الصين وأميركا. فمنذ انتهاء الحرب الكورية ظل الأميركيون داعمين لأمن كوريا الجنوبية، حيث يتواجد 28 ألف جندي أميركي. وفي المقابل ظلت الصين توفر باستمرار مظلة دبلوماسية ودعماً تجاريّاً لكوريا الشمالية. كما دخلت على الخط أيضاً اليابان، وروسيا. وقد نشطت كل هذه الأطراف في المحادثات السداسية، الرامية لاحتواء التحدي النووي الكوري الشمالي. وما ينقص هذه المعادلة هو الدور الأوروبي، إذ من مصلحة الأوروبيين الدخول أيضاً على خط تشجيع كوريا الشمالية على التهدئة والانفتاح، وخاصة أن تلك الدولة تعتبر هي المسؤول الأول عن الانتشار النووي، وهو موضوع ملتهب، كما يعلم الجميع، في الشرق الأوسط، بشكل خاص. إعداد: حسن ولد المختار