شهدت مصر خلال الأيام الأخيرة حالة من الاضطرابات والاعتقالات قبيل بدء الانتخابات التي تجري هناك اليوم الأحد. وقد رافقت التمهيد للانتخابات حملة اعتقالات لأعضاء جماعة "الإخوان المسلمون" في الأسكندرية، كما ضيّقت السلطات على البث التلفزيوني بإغلاق قنوات فضائية تحت شعار مكافحة التطرف، وقامت بتشديد قوانين إرسال الأخبار عبر الرسائل النصية، وأتاحت لوزارة الاتصالات التحكم في التصاريح الممنوحة، إلى جانب إلغاء بعض البرامج التلفزيونية، وتقييد رخص البث، والحد من تصاريح تصوير الشوارع التي تحتاجها وسائل الإعلام، وتضييق رجال الأمن على الصحفيين، والأهم خوف الجمهور المصري نفسه من التعبير صراحة عن رأيه... وهي كلها دلالات تبرر القلق لدى الصحافيين والهيئات الرقابية والمدنية من التلاعب بالانتخابات، كما ذكرت ديانا مقلد في جريدة "الشرق الأوسط" (الخميس 25 نوفمبر). فلماذا كل تلك الإجراءات في هذه الانتخابات البرلمانية؟ المراقبون يرون أن السلطة لجأت إلى ذلك لأن المؤشرات تدل على أن نتائج الانتخابات قد تعطي "الإخوان المسلمون" حوالي 30 في المئة من أصوات الناخبين المصريين. لكن هل تتغير الأمور في مصر نحو مزيد من الديمقراطية مهما كانت نتائج الانتخابات القادمة؟ الحقيقة التي يعترف بها الجميع هي أن مصر شهدت بدايات التغيير وشجعت الانفتاح السياسي، فبعد ثلاثة عقود من حكم الرئيس مبارك، وسواء خلفه نجله جمال أم لا، فإن النظام يواجه ضغوطات واحتياجات كثيرة قد تجبره على التكيف معها. اتهامات مصر للولايات المتحدة بالتدخل في شؤونها الداخلية واعتبار دعوة واشنطن إلى إرسال مراقبين أجانب لمراقبة الانتخابات البرلمانية، اعتبارها أمراً مرفوضاً بشكل قاطع يطرح تساؤلات حول موقف الولايات المتحدة نفسها؛ فهل غيرت من سياستها المطالبة بالشفافية والإصلاح الديمقراطي؟ يبدو أن واشنطن تريد تقديم المزيد من المساعدات العملية واسعة النطاق لتشجيع الإصلاحات الديمقراطية، ليس في المجال الانتخابي فقط، ولكن أيضاً فيما يتعلق بتعزيز استقلال القضاء والشفافية الحكومية وتوسيع نطاق حرية الصحافة والمجتمع المدني. ماذا سيكون رد فعل واشنطن وحلفائها الغربيين في حالة تحقيق "الإخوان" وبعض تيارات الإسلام السياسي الأخرى، نتائج في البرلمان تفوق نسبة 30 في المئة من إجمالي عدد مقاعده؟ الولايات المتحدة أعلنت أنها تلتزم بنتائج الاختيار الشعبي ما دام لدى هذه التيارات الاستعداد للالتزام بالعملية الديمقراطية. لكن ماذا أيضاً عن تأثير الانتخابات المصرية على الوطن العربي بشكل عام والخليج بشكل خاص؟ مهما كانت نتائج الانتخابات فإنها ستعزز وترسخ النظام السياسي في مصر، ما دامت الانتخابات سليمة وبعيدة عما تعكسه مخاوف المعارضة من تزوير للنتائج، فاستقرار مصر ونظامها السياسي هو من أهم ركائز الأمن والاستقرار في المنطقة العربية، خصوصاً وأن المنطقة تشهد تحولات ومتغيرات سريعة قد لا تخلو من عنف واضطراب عقب الاستفتاء السوداني لتقرير المصير في يناير القادم، والذي سيقرر مصير وحدة السودان، وما إذا كان سينجو من الدخول في دوامة الحرب الأهلية مجدداً أم لا... فاستقرار مصر هو ضمان للاستقرار في السودان وباقي المنطقة العربية.