اطلعت على العددين الأول والثاني من مجلة "ناشيونال جيوغرافيك" العربية التي تصدرها شركة أبوظبي للإعلام، وهي مجلة ذات مادة علمية رفيعة وأبحاث جغرافية متميزة ويبلغ عمرها 122 عاماً... لذلك تلزم الإشادة بجهود كل من ساهم في هذا العمل الرائع على الهيئة التي خرجت بها النسخة العربية للمجلة، إذ أن ظهور مجلة علمية متميزة، وبلغة عربية، يعتبر حدثاً على درجة كبيرة من الأهمية. ويضاف إلى ذلك كونها صادرة عن شركة أبوظبي للإعلام التي سبق أن أطلقت قناة "ناشيونال جيوغرافيك" التلفزيونية العلمية باللغة العربية. ويحسب لمحرري النسخة العربية، وعيهم بقضية الترجمة والتعريب وكونها وسيلة من الوسائل التي يمكن أن تفتح لنا الطريق للتغلب على التحديات المعرفية من خلال الانفتاح على فكر الآخر وعلوم العصر الإنسانية العالمية. إن صدور هذه المجلة هو إضافة مهمة للمكتبة العربية، وللقارئ العربي حتى يتابع مثل هذا النوع من المعرفة العلمية بلغته الأم. وهي أيضاً إضافة مهمة للمجلات العلمية التي أصدرت نسخاً عربية في بعض الدول العربية، كما تكمل دور الترجمة والتعريب الذي تقوم به بعض المؤسسات العربية المهتمة، خاصة أن ترجمة المجلات والكتب العلمية العالمية هي خطوة مهمة في مشروع النهضة الذي نسعى إليه، ورد قوي على من يتهمون اللغة العربية بالقصور وعدم القدرة على هضم العلوم العصرية وتوصيلها بصورة صحيحة ودقيقة. وهنا تمثل "ناشيونال جيوغرافيك" دليلا ملموساً آخر على أن الأبحاث العلمية، وما تتضمنه من مصطلحات ونصوص معقدة، يمكن تقديمها باللغة العربية، بنفس القوة والمستوى اللذين هي عليهما في لغتها الأصلية. لقد أصبحت ترجمة العلوم والمعارف ضرورة علمية، ليس فقط لأنها وسيلة للتغلب على التحديات التي تواجهنا في طريق التطور والنماء والتقدم، بل لأنه بات من الممكن اليوم التعرف على جميع المعارف العلمية في لغاتها الأصلية. وتجارب الدول التي وصلت إلى مستوى عال من التقدم والنهضة تؤكد ذلك، حيث أن غالبية الدارسين والباحثين والمبدعين في هذه الدول، وعلى الأخص الذين نالت أعمالهم شهرة وجوائز عالمية، قد تعرفوا على الكثير من معارفهم وعلومهم عبر الترجمات التي تُنجز في بلادهم. ويكفي الاطلاع على فهرس الترجمة الذي تنشره اليونسكو سنوياً منذ عام 1949، لنعرف الكم الهائل من الترجمات الذي تنجزه هذه الدول، كوسيلة لمواكبة تطور المعارف العالمية. إن الترجمة ليست فقط، كما يظن البعض، قضية تتعلق باللغة، بل هي فعل حضاري تنموي يلعب دوراً مؤثراً في فتح الطريق للحاق بالأمم التي سبقتنا إلى النهضة، خاصة إذا ما ارتبط ذلك بتعريب التعليم في مراحله المختلفة، وهو باب لتمكين اللغة العربية من مواكبة التنمية وخلق الإنسان العربي المبدع الذي يمتلك القدرة الذاتية على إنتاج العلم والتقنية وتوطينهما، بحيث تسهم الأمة العربية في الحضارة العالمية المعاصرة. وذلك ما فعلته اليابان في طريقها لبلوغ التقدم، حيث ساهمت بقوة في الحضارة العالمية عندما أحدثت حالة من التوازن بين لغتها وحضارتها الوطنيتين وبين متطلبات التطور العلمي والتقني، وجعلت الترجمة مدخلاً للحصول على العلوم العالمية فطوّعتها بلغتها الوطنية... فحافظت بذلك على لغتها وهويتها وحضارتها، وعملت على تقوية الشخصية اليابانية، وحققت مستوى عالياً من التطور الصناعي والتقني تنافس به معظم الدول الغربية المتقدمة.