لا يكاد يُذكر اسم جيمس زغبي، رئيس المعهد العربي الأميركي في الولايات المتحدة، حتى تتبادر إلى الذهن الجهود التي يبذلها، إلى جانب شقيقه جون زغبي في مؤسسته الرائدة، لاستطلاع الرأي والدفاع عن قضايا العرب والمسلمين في أميركا من خلال عرض وجهات نظرهم وتبديد ما يحيط بها من تصورات خاطئة تتناقلها وسائل الإعلام الأميركية وتساهم في تكريسها. هذا الجهد يظهر مجدداً في الكتاب الأخير لجيمس زغبي وعنوانه "أصوات عربية... ماذا يقولون لنا وما أهمية ذلك"، والذي يحاول من خلاله التصدي للأساطير التي نُسجت على مر السنين عن العرب من قبل الأميركيين؛ بسبب الجهل تارة والتعميمات المخلة تارة أخرى، والتي تجرد العرب من بعدهم الإنساني وتضعهم في قوالب جامدة تخدم أجندات سياسية وأيديولوجية. وحول سبب تأليف الكتاب، يقول زغبي: "خلافاً للعديد من الكتب والمقالات التي تناولت المنطقة العربية، يتميز كتاب (أصوات عربية) بأنه يبتعد عن التأويلات التاريخية والقصص الشخصية للعرب، فرغم الدور المهم الذي لعبته هذه المقاربة في فهم العرب، فإنها تبقى عرضة للانحياز، أو ما أسميه شخصياً (العلم السيئ)، بحيث يتم الاستناد إلى التجارب الشخصية والملاحظات العابرة لتعميم نتائجها على العرب والخروج بخلاصات غير دقيقة". لذا فضل الكاتب الاعتماد على معطيات وحقائق استمدها من أرض الواقع خلال عقود طويلة من استطلاعات الرأي غطت منطقة الشرق الأوسط، دون أن ينسى الكاتب تلوين الحقائق بقصص فردية لمواطنين عرب لإضفاء بعد إنساني على الدراسة وتقريب نتائجها إلى الناس. فمن خلال استطلاعات الرأي استطاع التعرف إلى آراء ومواقف المواطنين العرب والتواصل معهم على رقعة جغرافية شاسعة، وقد شملت أسئلة الاستطلاعات مختلف مناحي الحياة من الانشغالات السياسية إلى الموقف من المرأة والعمل، مروراً بالبرامج التلفزيونية المفضلة... وفي كل ذلك فإن ما يحرك الكاتب هو خلق معرفة حقيقية لدى الأميركيين بالعرب من خلال التصدي للأساطير المضللة والمجافية لواقع العرب، وكشفه لمن يريد الاطلاع فعلا على حقيقة العرب وطبيعتهم. ولتحقيق ذلك يضع الكاتب نصب عينيه مجموعة من الأساطير الرائجة حول العرب لدى الأميركيين، مبيناً تهافتها وعدم استنادها إلى معطيات واقعية؛ أولها تلك التي تذهب إلى أن العرب جميعاً وحدة متماسكة، وأنهم يندرجون في نفس الخانة. هذه النظرة يرجعها الكاتب إلى بعض الخلاصات المخلة التي توصل إليها "رفائيل باتي" في كتابه "العقل العربي" المستخدم من قبل الجيش الأميركي في العراق، وكتاب آخر لتوماس فريدمان حافل هو أيضاً بالمغالطات والتعميمات غير الدقيقة التي تسحب خلاصات على العرب وكأنه لا اختلاف أو تمايز بينهم. والحال، يوضح الكاتب، أن الاختلاف قائم وموجود ليس فقط بين المصريين واللبنانيين والسعوديين مثلا، بل حتى داخل البلد الواحد بين أجياله المختلفة. لكن في المقابل، هل العرب مختلفون إلى درجة تنتفي معها أية صلة مفترضة تربط بينهم، كما ادعت ذلك مجلة "الإكونوميست" في أحد أعدادها عندما اعتبرت العرب كتلة غير محددة المعالم ولا يمكن إطلاق تعريف واحد يشملها؟ الجواب هو: لا، حسب الكاتب، لأن جميع استطلاعات الرأي التي همت المواطنين العرب في جميع البلدان أكدت انتماءهم إلى أمة عربية، وقد وصفوا أنفسهم على أنهم عرب، كما أظهرت الاستطلاعات نفسها تمسك المواطنين العرب بالقضايا الأساسية وعلى رأسها حقوق الشعب الفلسطيني، وانشغالهم بما يجري في العراق. ومن التصورات الكاذبة الأخرى التي تحاول بعض الأطراف إلباسها للعرب، كراهيتهم العمياء للغرب وأميركا! والحقيقة كما تكشفها نتائج استطلاعات الرأي التي همت أكثر من أربعة آلاف عربي في بلدان ذات كثافة سكانية مهمة، هي مصر والمغرب والسعودية، هي أن أغلب المستجوبين يتطلعون للديمقراطية والحريات الأميركية ولا يكرهون أميركا، لكنهم يعارضون سياستها. وحتى الفكرة القائلة بأن العرب تحركهم الأصولية الدينية والمواقف المتطرفة، تظل فكرة غير دقيقة ولا تدعمها استطلاعات الرأي التي أثبتت وجود نسب متقاربة بين الذهاب إلى المسجد لدى المسلمين وارتياد الكنيسة عند الأميركيين. بل الأكثر من ذلك، احتلت نسبة متابعة البرامج الدينية في البلدان العربية التي أجري فيها استطلاع الرأي، مركزاً متدنياً مقارنة بالمسلسلات والأفلام. وأخيراً يتصدى الكاتب إلى فكرة أخرى رائجة لدى الأميركيين، مفادها أن العرب يرفضون الإصلاح ولا يقبلون التغيير بحيث يحتاجون إلى الغرب لتحريك المياه الراكدة، وهو تصور كرسه المحافظون الجدد وأيدته قبلهم كتابات "برنارد لويس" التي لعبت دوراً أساسياً في غزو العراق. لكن التصور لا يصمد أمام آراء ومواقف العرب الذين يرحبون بالتغيير وينشدون الإصلاح السياسي شريطة أن يكون نابعاً من الداخل وليس ناتجاً عن تدخل أجنبي. ولئن كان العرب لا يحبذون التدخل في شؤونهم الداخلية، فإنهم يقبلون المساعدة الخارجية لتطوير الخدمات وتحسين مستوى عيشهم ومد جسور التعاون والتواصل مع شعوب العالم. زهير الكساب الكتاب: أصوات عربية... ماذا يقولون لنا وما أهمية ذلك المؤلف: جيمس زغبي الناشر: ماكميلان تاريخ النشر: 2010