ما زالت مخاطر التطرف تظهر من حين لآخر في إندونيسيا إن لم تكن في تصاعد بالنظر إلى ما تردد مؤخراً من أخبار جديدة حول هجمات ضد مراكز الشرطة في جاوة الغربية وسومطرة الشمالية. ويرتبط بعض أعضاء المجموعات المسؤولة عن تلك الهجمات بالجماعة الإسلامية في إندونيسيا، وهي جماعة دينية متشددة ومسلّحة. وهناك حديث يتردد في الوقت الراهن مؤداه أن التطرف يجري تعلّمه، بهذه الطريقة أو تلك، في حرم بعض الجامعات الإندونيسية. وبغض النظر عما إذا كانت مثل هذه الدعاوى حقيقية، فإن النظام التعليمي عموماً هو أفضل مكان لمجابهة التطرف، ولتعليم الطلبة قيم التفاهم والتسامح الديني. ويحاول الأساتذة في جامعة "سونان كاليجاغا" الإسلامية الحكومية أن يشتغلوا على هذه المسألة بالذات، حيث يُطلب من طلبة كلية علوم الدين والفلسفة الإسلامية دراسة مساق عنوانه "الاستشراق". وعلى رغم أن تعريف الاستشراق فُهِم أصلاً من قبل الأمم الغربية على أنه دراسة الثقافات والشعوب واللغات الآسيوية، إلا أن الأكاديمي والمفكر الفلسطيني الأميركي الراحل إدوارد سعيد أعاد صياغة المفهوم في عام 1978 مبيناً انحيازه لأنه يرتكز على فرضيات خاطئة. ويسود هذا المفهوم السلبي في إندونيسيا، حيث يُفهَم الاستشراق بشكل أكثر محدودية وضيقاً، على أنه دراسة الإسلام من قبل العلماء غير المسلمين. وقد أظهرت تجربتي في تدريس الاستشراق لأكثر من أربع سنوات، وبشكل مباشر، كيف يمكن للتعليم أن يغير وجهات نظر الطلبة وتوجهاتهم ومواقفهم تجاه غير المسلمين والعالم الغربي. ويحتوي المساق على دراسة أسلوب عمل مفكرين وخبراء سابقين ومعاصرين في هذا المجال، من أمثال "سنوك هورغرونجي" و"إغناز غولد زيهر" و"ويليام مونتغمري واط" و"نابيا أبوت" و"جون إسبوزيتو" و"مارك وودورد". ومن واقع تجربتي الشخصية، أقوم في بداية كل صف بتقييم وجهات نظر الطلبة حول هؤلاء العلماء وبالتالي حول المجتمعات التي أتوا منها. ويشير هذا التقييم سنة بعد سنة إلى كيفية انضمام الطلبة إلى هذا الصف انطلاقاً من منظور أن غير المسلمين -أو لنقل- الغربيين هم "عدو" الإسلام الذي ينوي "تدميره"، بحسب التصور النمطي لدى بعض الطلبة. ويعتقد حوالي 95 في المئة من الطلبة الذين يسجّلون لحضور مساقي في بداية الفصل أن الاستعمار الغربي هو "حرب بين المسيحية أو اليهودية وبين الإسلام". ويربط جميع الطلبة تقريباً العلاقة بين المسلمين وغير المسلمين بالحروب الصليبية. ومما يثير الحزن أن مثل هذه التصورات تثبت كيف أصبحت وجهات نظر معادية للغرب، تشكّل التيار الرئيس في أوساط المسلمين الإندونيسيين الشباب. ولكن لحسن الحظ يمكن تحويل وجهات النظر هذه، حيث ينخرط الطلبة خلال الفصل الدراسي في حوار مكثّف حول تاريخ الاستشراق وأفكار العلماء الغربيين المعاصرين حول الإسلام. ويجدون وجهات النظر هذه أحياناً مثيرة للدهشة، ويعبر معظم الطلبة في نهاية المساق عن تغيير في وجهات نظرهم حول العلاقات بين المسلمين والغرب. وعلى رغم أن كثيرين منهم ما زالوا يعانون من بعض الشك والقلق حول وجهات نظر غير المسلمين أو العلماء الغربيين، إلا أن 90 في المئة من الطلبة الذين يدرسون المساق يعبرون عن الاعتقاد بإمكانية تحسين العلاقات بين المسلمين والغرب مع مرور الزمن، وبأن الغرب غير متجانس بل هو عالم يعج بآراء ورؤى متعددة. وتثبت ملاحظات الطلبة وتعليقاتهم قبل المساق وبعده كيف يمكن للتعليم أن يلعب دوراً في دحض الصور النمطية المتأصّلة في نفوسنا عن الآخر الديني والثقافي. ويتعين علينا جميعاً، تربويّين وحكومات وطلبة وأهالي وغيرهم، ممن يسعون لنشر قيم الإسلام الحقيقي المتسامح، أن نعيد النظر في المناهج التربوية لجعلها وسيلة فعالة لتصحيح الصور النمطية الخاطئة، والأحكام المسبقة غير الصحيحة. عناية رحمانية محاضرة في الفكر الإسلامي من إندونيسيا ينشر بترتيب مع خدمة "كومون جراوند"