من أفضل التقييمات التي صدرت في العالم العربي قول حنان عشراوي: إن الولايات المتحدة تدفع لإسرائيل بالعملة الاستراتيجية مقابل الحصول على عملة تكتيكية. إذا نظرنا في محتويات الصفقة سنوافق على هذا التقييم على الفور، ذلك أنه مقابل خطوة لا يترتب عليها أي إنجاز ملموس وهي تجميد الاستيطان، تطالب إسرائيل بالحصول على أمور كبرى تنتمي إلى عالم المصطلحات الاستراتيجية. أولها الحصول مجاناً على عشرين طائرة من طراز اف35 وهي أحدث الطائرات في الترسانة الأميركية، وثانيها التزام أميركي بإجهاض أي محاولة عربية في الأمم المتحدة لإصدار قرار بإنهاء الاحتلال الإسرائيلي وإقامة الدولة الفلسطينية، وثالثها موافقة الولايات المتحدة على استثناء القدس من مهلة تجميد الاستيطان، وهو أمر ما زالت الولايات المتحدة ترفضه، ورابعها اتفاق للتعاون الأمني المعزز لمدة عشر سنوات، وخامسها دعم الولايات المتحدة لسياسة الغموض النووي التي تتبعها إسرائيل، وسادسها تعهد أميركي بأن يكون هذا التجميد هو الأخير الذي يُطلب من إسرائيل. إذا تركنا كل الطلبات الإسرائيلية وركّزنا على هذا المطلب الأخير، سنكتشف أن الهدف هو أن تمضي الشهور الثلاثة للتجميد دون أي إنجاز حقيقي في مسار المفاوضات، وبذلك تكون إسرائيل قد حصلت على سلع وتعهدات استراتيجية بعيدة المدى، مقابل فقاعة هواء سياسية عنوانها تجميد الاستيطان لثلاثة أشهر. أصل الاقتراح الخاص بالتجميد لمدة أشهر معدودة، قد صدر عن الرئيس المصري، وكان يفضي بأن تستخدم المهلة الجديدة في التركيز على قضية حدود الانسحاب الإسرائيلي، وهي حدود الدولة الفلسطينية ليعرف الفلسطينيون الأراضي التي ستؤول إليهم، والتي لا يحق لإسرائيل الاستيطان فيها، وليعرف الإسرائيليون الأراضي التي ستبقى في حوزتهم في إطار مبدأ تبادل الأراضي، والتي يمكنهم الاستيطان فيها دون التسبب في قطع المفاوضات حول سائر القضايا. لقد قدم الأميركيون الاقتراح المصري لإسرائيل وصمموا على أن تخصص مهلة الشهور الثلاثة لإنهاء التفاوض على قضية الحدود، فيرى أن نتنياهو ما زال مصمماً على أن تكون القضية الأولى في جدول المفاوضات هي قضية الأمن. هذه القضية تحظى بالاهتمام الإسرائيلي لأنها ببساطة تفتح ملف نزع سلاح الدولة الفلسطينية المستقلة وضمان استمرار نزع السلاح. إن الرؤية الإسرائيلية تزعم أن هذا الضمان يستوجب سيطرة إسرائيل على المجال البحري والجوي والحدود البرية للدولة الفلسطينية. وهي صيغة ماكرة لفتح موضوع وجود القوات الإسرائيلية في غور الأردن، أي الاستيلاء الفعلي عليه. لقد أصدرت جهات عربية رسمية عديدة بيانات ترفض فيها الصفقة الأميركية- الإسرائيلية وتعتبرها وبالاً على الحقوق العربية. المطلوب من الدبلوماسية العربية إعادة صياغة الأهداف المطلوبة والتأكيد على أن الهدف ليس مجرد تجميد الاستيطان، لكن إنهاء الاحتلال برمته وتمكين الشعب الفلسطيني من إقامة دولته.