إنه سؤال فلسفي حقاً. نحن نظن أن الحج وضع لطائفة من خلقه، وأنه موسم للطقوس، وأن الأضحية قربان، وهذه مفاهيم ثلاثة تحتاج إلى تصحيح. ففي الأولى نرى الله يقول إن الحج لجميع خلقه؛ فليس من آية إلا ويذكر فيها بنو الإنسان، بدون احتكار أو مصادرة من فئة أو جماعة أو دين أو طائفة... بل هو للناس جميعاً، وذلك في سبع آيات من القرآن العظيم: "إنّ أول بيت وضع للناس للذي ببكة مباركاً وهدى للعالمين"... "وأذن في الناس بالحج يأتوك رجالاً وعلى كل ضامر"... "ولله على الناس حج البيت من استطاع إليه سبيلا"... "يسألونك عن الأهلة قل هي مواقيت للناس والحج"... "جعل الله الكعبة البيت الحرام قياماً للناس"... "وأذان من الله ورسوله إلى الناس يوم الحج الأكبر"... "والمسجد الحرام الذي جعلناه للناس سواء العاكف فيها والباد". ويظن البعض أن الحج لم يُشرع قبل بعثة نبينا محمد صلى الله عليه وسلم، لكن البيت الحرام كان قبلة للحجاج منذ بناه ودشنه نبينا إبراهيم خليل الله، على أمل أن يتمدد مكانياً ويتحول إلى قبة هائلة يهفوا إليها سكان الكرة الأرضية قاطبة، وتتحول زمانياً الأشهر الحرم الأربعة إلى فترة بلا حرب ولا ضرب، كما تكون أيام الحج أياماً بلا رفث ولا فسوق ولا جدال. وهنا يأتي المعنى الجديد للحج، أعني مفهوم القربان، بعد أن تحول إلى موسم للطقوس الميتة. إن الحج هو لإحياء المعنى وليس للطقوس المكررة؛ من رمي حجارة وذبح أضحية، بل يجب فهمه كإعلان لتوقف التضحية بالإنسان كما فعل إبراهيم. إنه موكب لبشر يلبسون الأكفان في رحلة إلى الله؛ فلا فرق بين وزير وخفير، غني وفقير، رجل وامرأة. كما يجب أن يفهم أنه مظاهرة كونية إنسانية، نفتتح بها موسماً لبث الروح السلامية، لأن الحج دورة سنوية مكثفة لشحن العالم بروح السلام، فليس من مدينة على وجه الأرض إلا ومنها حاج وحاجة، ولذا كان من الأهمية بمكان دعوة أهل الفكر والقلم للتأمل في هذه التظاهرة الكونية السلامية لنزع فتيل النزاعات في العالم. لكن، وبكل أسف، فقد طمرت هذه المعاني، ما يذكرني بعيسى بن مريم وهو يطرد الصيارفة وباعة الحمام من دار العبادة في القدس. كان أول اجتماع لي مع الكعبة حزيناً بعض الشيء؛ كنت أتصورها بناءً كبيراً على قمة يُرى من بُعد أميال، كما رأيت جامع قرطبة في الأندلس، لكني كنت أنزل وأنزل لأجتمع في النهاية بكعبة لا يراها المرء إلا من بعد مائة متر، وهي محاطة بأبراج عالية وناطحات سحاب لانهاية لها! تمنيت في تلك اللحظة أن تحاط الكعبة، وإلى امتداد خمسة كيلومترات، بمسطحات خضراء بهجة للناطرين ومتعة للعاكف فيها والباد، يرتاح فيها الناس، يصلون ويتسامرون في ضوء القمر المتشح بصوت الأذان. أعتقد أنه سيأتي اليوم الذي يتحول فيه الحج إلى موسم للمعنى ومكان للبشرية جميعاً. كنا نسعى، أنا وزوجتي، بين الصفا والمروة، نركض ما بين الخطين الأخضرين، فهجم علينا رجل وقال: المرأة يحرم عليها الركض! أجبته: لماذا ياعزيزي؟ إن من ركض هو هاجر وهي امرأة ؟ احتفظ بحريمك لنفسك، أما أنا فمهرول مع زوجتي بإذن الله، تقليداً لهاجر عليها السلام.