من الواضح أن الرئيس الأميركي السابق بوش الابن قضى وقته خلال السنتين الماضيتين منذ تركه البيت الأبيض إلى اليوم في كتابة مذكراته في كتاب تحت عنون "قرارات حاسمة"، والتي صدرت منذ أيام. وحسب الناشر فإن المذكرات تتضمن "الأخطاء والهفوات"، كما تتضمن الإنجازات التي تحققت في عهده. بالإضافة إلى تفاصيل للحياة العائلية للرئيس الأميركي الذي غادر البيت الأبيض بأقل نسبة شعبية، حيث أظهرت الاستطلاعات وقتها أنه كان الأقل شعبية في تاريخ الرؤساء الأميركيين. وذلك ليس مفاجأة فقد تضررت سمعة بوش وميراثه بقوة بسبب حربي العراق وأفغانستان، إلى جانب تأثير الأزمة المالية العالمية التي هزت الولايات المتحدة واقتصادها وأخفت من الوجود مؤسسات مالية عملاقة! وأكثر ما يغلب على هذه المذكرات أن بوش حاول بجميع الطرق أن يبرر ما حدث خلال فتر حكمه من يناير 2001 وحتى يناير 2008. لقد كانت ثماني سنوات حافلة بالأحداث الكبيرة في العالم وبالقرارات التي لم تؤثر في الولايات المتحدة فقط بل أثرت في أغلب دول العالم وفي دول المنطقة العربية بالتحديد فثلاث حروب في ثماني سنوات أعلنها بوش الأولى على الإرهاب والثانية على أفغانستان والأخيرة على العراق، جميعها كانت مؤثرة بشكل مباشر على العرب وما تزال معاناة المنطقة من آثارها مستمرة إلى اليوم وستبقى. لقد كان متوقعاً أن يعترف بوش من خلال هذه المذكرات ببعض الأخطاء أو يعتذر عن بعض القرارات، لكن يبدو أنه ما يزال مصراً على طريقته الأولى وربما لو كان يحق له الترؤس لفترة رئاسية ثالثة ونجح في نيل التجديد لكرر ما فعله في فترتيه الأوليين ولعاش العالم حروباً جديدة، وبالطبع ليس بوش الابن الشخص الذي يحتاج إلى مبررات لإعلان حروبه أو يحتاج إلى انتظار موافقة المجتمع الدولي على أية حرب يشنها، فحربه على العراق كانت بقرار منه والحروب الأخرى بضغط منه أيضا، وبالتالي فإن قاعدة بوش أن من ليس معه في الحرب التي يخوضها فإنه ضده ومع عدوه الذي يحاربه! يبدو أن بوش لا يرى أو يسمع عما يحدث في العراق اليوم، فهو يرفض الاعتذار عن غزوه ويقول إن الاعتذار معناه أن الغزو كان خاطئا، فقد قال إنه ما زال يعتقد أن الإطاحة بحكم صدام حسين كانت أمراً صحيحاً؛ فقد أصبح العراق أفضل، إذ بات 25 مليون عراقي الآن يمتلكون فرصة العيش بحرية! في مذكراته حاول بوش أن يُوحي بأن الشعوب العربية كانت تنظر إليه على أنه الرجل الذي سيحقق لها حلم الديمقراطية ويعلمها احترام المرأة وإعطائها حقوقها التي لم تحصل عليها إلا بعد الجهود التي بذلها من أجلها! فهو يعتبر نفسه الدافع الرئيسي للانتخابات التي شهدتها المنطقة خلال السنوات الماضية. وأراد بوش أن يعطي الشعب الأميركي والعالم ملخصاً لإنجازاته خلال فترة حكمه. فقد جاء بالديمقراطية العرجاء للعراق الذي لم يستطع تشكيل حكومة منذ سبعة أشهر، وفي فلسطين التي طالبها بالديمقراطية دون أن يعرف نتائجها وعندما ظهرت نتائجها التي لم تعجبه كان قراره بحصار غزة وإلغاء الديمقراطية! ومن السمات الواضحة في هذه المذكرات أن بوش لم يكن مهتماً كي يبرر ما قام به من أمور مؤثرة في فترة حكمه! كما أنه لم يعر أي اهتمام لحلفائه الذين وقفوا إلى جانبه وأساء إليهم من حيث يقصد أو لا يقصد. وربما بعض المآخذ على مذكرات بوش أنها تكشف إلى أي مدى بلغ في عدم الاكتراث بالقوانين الدولية ومؤسسات الأمم المتحدة، فهو لم يكن يعتمد إلا على التقارير الاستخباراتية ويتخذ على أساسها القرارات المصيرية وهذا ما تجلى في حربه على العراق وفي تأييده لحروب أخرى... فآخر ما كان يهم بوش هو موقف القانون أو رأي المجتمع الدولي! ما يستشعره القارئ للأجزاء الرئيسية من هذه المذكرات هو أن المنطقة العربية كانت ملعباً لأحلام وتطلعات بوش سواء العراق أو لبنان أو فلسطين، وأنه ضغط على دول المنطقة بكل الطرق الممكنة لتحقيق الأهداف التي تخدم مصلحة إدارته. ويأمل بوش أن يتكفل الزمن بتحسين صورته التاريخية، وكان ذلك واضحاً عندما قال: "بعد عقود من الآن، آمل أن يراني الناس كرئيس أدرك التحدي الأكبر أمامه والتزم بتعهده بالحفاظ على أمن البلاد، وتحرك بناء على قناعاته من دون تردد، لكنه بدل مساره عندما دعت الضرورة إلى ذلك، ووثق في قدرة الأفراد على اتخاذ قرارات حاسمة في حياتهم، واستغل نفوذ أميركا في تعزيز الحرية". وفي أميركا قد لا يأتي هذا اليوم إلا في حالة واحدة وهي إذا ما استمرت الولايات المتحدة على نهج بوش وإذا ما تغير الأميركيون ليصبحوا ممن يفكرون بطريقة بوش والمحافظين الجدد، أما الأميركيون الذين نعرفهم فلن يغفروا له ما اقترفه في حقهم وحق أميركا والعالم. لا يختلف بوش في مذكراته عما كان عليه في واقع حياته عندما كان رئيساً لأعظم دولة في عالم اليوم لمدة ثماني سنوات، فهو لا يكترث لأحد ولا يعترف بخطأ! ربما يحتاج بوش إلي جزء ثان من مذكراته كي نفهم من خلاله كيف كان يفكر ولماذا كتب هذه المذكرات، خصوصاً أنه لا يعترف بخطأ ولا يعتذر عن قرار رغم أنه لم يخسر فقط تأييد ومساندة وتعاطف الأميركيين والعرب والعالم بل حتى جزء كبير من أعضاء الحزب الجمهوري خسرهم وهم تبرؤوا من أفعاله، ولعل هذا ما أدى إلى نجاحهم في الانتخابات النصفية الماضية في نوفمبر الجاري عندما ركزوا على أنهم ليسوا استكمالاً لمرحلة بوش وإدارته.