كدت أكتب- بمناسبة عيد الأضحى وموسم الحج- عن دور طوفان الحجيج إلى موقع مركزي مثل مكة، في دفع أفكار وحدوية عديدة تنبع من موقع كل متأمل لها، عروبياً وإسلامياً، وأفروآسيوياً... ودور الملايين من عامة الناس وخاصتهم، ممن يعيشون في حالة روحية عالية لابد أن تدفع روح التآخي في التعاون فيما بين الموسمين. هكذا يفكر قطاع كبير من هذه الأمة، حين يتأمل- من زاوية أخرى حالة التشظي، والتجاذب، وتدهور أحوال مجتمعاتنا في طول القارات وعرضها من بلدان العالم الثالث خاصة. وعندما أشفقت على حال عامة المسلمين، وكيف باتت تغالب خاصتهم، تساءلت عما إذا كان ثمة إجابات مختلفة لو أننا تناولنا أحوال هؤلاء الخاصة ممن يسمون بالنخبة المثقفة، والتي بات بعضها ينزلق إلى معارك طائفية وعرقية ودينية يخجل منها العامة أحياناً، ويبدون كأبرياء منها، أو أنهم الأقدر على التعالي عليها، رغبة في الحياة الآمنة... ومع ذلك فإنني لم أملك إلا أن أسجل للقارئ، ما كنت طرفاً في أغلبه معظم الأسابيع الأخيرة، والتي كشفت ولا شك عن هموم للنخبة لا يسع أي منا إلا تقدير حسن النوايا من ورائها ما دمنا لن نقع في حبال التشاؤم القاتل. قد تكون الرغبة في المشاركة الفعلية من قبل قطاع من المثقفين، للمشاركة في هموم "عامة الشعب" هي التي تدفع إلى كل هذا الجدل حول علاقات الشعوب، وكيف تخدم المصالح أو تدعم المواقف إنْ خلصت النوايا كما قلنا، وهذا ما رأيت أن أشير إليه بقدر من التقدير، عقب انعقاد مؤتمر القمة العربي- الأفريقي الثاني إلى جوار المؤتمر القمة العربي في سيرت (ليبيا) في أكتوبر الماضي. وقد أتيح لي قراءة أعمال المؤتمرين، وحماس خطابهما، وهذا شأن من شؤون القيادات مع شعوبها، أما ما عنيت بالتدقيق في أمره، فهو موجة اللقاءات الثقافية والعلمية التي أعقبت ذلك، وسواء كانت مقصودة أو غير مقصودة، فإنها تعني أن ثمة هموماً عامة أو مشتركة تدفع الكثيرين إلى أدوار تبحث عن التوفيق. فها هو منتدى صحفية "الاتحاد" عن "العرب ودول الجوار" في أبوظبي لا ينسى الجوار الأفريقي بحوار معمق وصريح، كما شهد له الكثيرون، ومؤتمر آخر تدعو له مراكز متخصصة عربية وسودانية عن التعاون العربي- الأفريقي في الخرطوم، وهي في أشد الحاجة لتأكيد المواقف حول وحدة السودان شماله وجنوبه، بل وثالث تدعو له طرابلس، يسهم فيه مثقفون بفكر جديد عن علاقات الشعوب والثقافات ربما في ظل عدم ثقة بجدية القرارات الحكومية التي اتخذت هناك منذ بضعة أسابيع! وكان الأقرب إلى موقعي بالقاهرة، وإلى نفسي المجادلة، ذلك المؤتمر الذي سعت إليه هيئة أكاديمية نشطة ووقورة من جنوب أفريقيا، هي معهد "الدراسات الأفريقية" بجامعة جنوب أفريقيا مع هيئة نكن لها التقدير في القاهرة وهي مركز "شركاء التنمية". وقد يلفت النظر منذ البداية ملاحظة سعي مؤسسات ثقافية عديدة من جنوب أفريقيا منذ تحولها الديمقراطي 1994 للالتقاء بمثيلاتها في الشمال الأفريقي العربي، أحدثها هو هذا الأخير في القاهرة (نوفمبر 2010) لكنه سبق ذلك منذ وقت مبكر سعى مجلس العلوم الإنسانية بجوهانسبرج للتعاون مع مركز البحوث العربية والأفريقية في ندوة عن التكامل الأفريقي ودور المجتمع المدني في تطويره (2004) وتلاه سعي مركز آخر في "كيب تاون" للقاء مع المنظمة العربية للتربية والثقافة والعلوم ومركز البحوث العربية، حول مشكلات العلاقات الثقافية العربية/الأفريقية، بل وتعاونت أكثر من منظمة في جنوب أفريقيا مع مؤسسات عربية ثقافية، حول الحريات والحركات الاجتماعية والصور المتبادلة بين العرب والأفارقة، واجتهدت مجموعات مثقفة في جنوب أفريقيا لجمع وثائق ومخطوطات لغة الأفريكانز نفسها المكتوبة في مطلع القرن العشرين بالحرف العربي (العجمي) وذلك على أثر توقيع رئيسي جنوب أفريقيا ومالي لاتفاقية تمول بموجبها جنوب أفريقيا برنامجاً كبيراً للعناية بمخطوطات تومبوكتو الإسلامية (2002)!، فما الذي يعنيه كل ذلك بالنسبة للمثقفين، بينما تترى التعليقات عن "فتور" علاقات جنوب أفريقيا الملحوظ مع هذا البلد العربي أو ذلك وخاصة في شمال القارة (مصر/ ليبيا/ المغرب على الأقل!)، ما لفت نظري إزاء ذلك هذا السعي الحديث لمعهد الدراسات الأفريقية في بريتوريا (تسواني) إلى عقد ندوته في القاهرة وبعنوان ملفت كان موضع ملاحظة البعض- هو "التكامل الإقليمي في أفريقيا: عبور الانقسام بين الشمال الأفريقي وأفريقيا جنوب الصحراء". تساءل البعض بسرعة: إلى أي حد ما زال ثمة شعور بأن الشمال الأفريقي يعيش هوة بينه وبين ما يسمى بأفريقيا جنوب الصحراء! لكن لابد أن المنظمين قد شعروا بالفعل بأن الأحجار كثيرة، تلك التي يتعثر فيها هذا التعاون بين "الإقليمين". وقد دفعني ذلك إلى دفع السؤال خطوة أبعد في الاجتماع بتساؤلي عما إذا كان هناك بالفعل "كتلة" تسمى أفريقيا شمال الصحراء مقابل أفريقيا جنوب الصحراء؟ وأين نذهب إذن بكل هذه العثرات في الشمال والجنوب على السواء من كرة القدم إلى فساد اللحوم! ولقد أثارت المناقشات قضايا عدة بين المثقفين لا يمكن "عبورها" بسهولة بالاسترخاء إلى "قداسة" العلاقات العربية- الأفريقية، فقد طرحت إحدى الأوراق العربية والمناقشات حولها بشجاعة ضرورة مراجعة "المسلمات الخمس أو الست". وقالت إحدى الأوراق "الأفريقية" إن الزواج بين حركة الوحدة الأفريقية وحركة التحرر العربية، لم يتم تلقائيا بزواج نكروما الغاني، من "فتحية" المصرية في الستينيات! واعترضت عقبها دبلوماسية من جنوب أفريقيا على ما في العنوان من مفهوم "سد الفجوة" أو "العبور" لأن العلاقات الفعلية أفضل من "ذلك الحال"، وراحت دبلوماسية عربية تعرض صور تعاون المجموعة الأفريقية، "متكاملة" في دوائر الأمم المتحدة والمنظمات الدولية عموما بما لا يمكن إنكاره. لقد شهدت قاعات الندوة انتقادات ودفاعات صريحة وجذابة تمنيت لو كانت الفضائيات العربية أكثر انشغالًا بها بدل الصراخ الذي تلهينا به صباح مساء بما يتضمنه من لطم الخدود وشق الجيوب على اللبن المسكوب فوق الأرض العربية حزناً على علاقاتنا الأفريقية. لم يخل هذا الجو من معالجات شديدة الجدية والرغبة في إنجازات وحدوية عربية أفريقية حقيقية، كان موضوع الطاقة والملكية الفكرية من أكثر الموضوعات حداثه وجدارة بالاهتمام حيث ثبت أنه تكمن فيه مناورات الاحتواء والاستغلال للصحراوات، بمثل ما يستغل اليورانيوم (من نفس الصحراوات) لخدمة إنتاج الطاقة النووية بصور أخرى. وكان ثمة جدل حول الحق في المياه وشرعية مراجعة الاتفاقيات الخاصة بها لصالح خطط تنموية حقيقية، ومناقشات حول روح المشروع الكبير الذي يستدعي تعاوناً عربياً أفريقياً حقيقيا للخلاص من التبعية، قابله الحماس لجدارة "المشروع الصغير" بالعون لتحرير المنتج الصغير من نفس التبعية. بل وحظيت مسألة "الهجرة غير الشرعية" ومشكلات الشمال الأفريقي معها بقدر دقيق من النقاش بادئا بالاحتجاج على المسمى ليصير "الهجرة غير المنظمة" حيث عصابات المصالح في أوروبا هي التي تنفق على شبكات "التهريب والمقاومة حوالي سبعة مليارات دولار سنوياً بقدر ما تحتفظ بمسمى "الهجرة غير الشرعية" مع أنه يمكن معالجة الأمر كله في إطار تنموي لا يخفى على أصحاب الشأن لو نظرنا للأمر بروح أخرى نحو الهجرة وحقوق المهاجرين. كانت الندوة فيما قبل الانصراف إلى "شؤون عيد الأضحى" "دسمة" بحق بالمقولات والمحاججات المتبادلة! وقد يكون من أهمها عمليا انتقاد الكثيرين لتفضيل معظم الدول العربية والأفريقية على السواء وحتى الآن تقريباً للعمل الثنائي وتقديمه على العمل الجماعي، ليصير ذلك "عقبة محورية" أمام إمكانيات "عبور الفجوة" بين الشعوب وليس فقط بين الشمال والجنوب.