عندما بلور إياد علاوي قائمته "العراقية" قبل الانتخابات البرلمانية التي جرت في العراق في شهر مارس الماضي شعر المرء بتفاؤل حذر. كان مبعث التفاؤل هو ما بدا من أنه يحمل مشروعاً غير طائفي لمستقبل العراق، فهو شيعي المذهب، لكنه جمع حوله قوى مهمة ومؤثرة من سُنة العراق. أما الحذر فسببه أن علاوي قد سبق له تولي منصب رئيس الوزراء في ظل الغزو الأميركي للعراق وبرضا من سلطاته، ومع ذلك فإن السياسة للأسف لا تعرف الألوان ناصعة البياض أو حالكة السواد، ولذلك كان منطق التفاؤل الحذر بشأن دوره المحتمل في مستقبل العراق يستند إلى أن مشروعه السياسي هو أفضل المشروعات المطروحة في الساحة العراقية، وأن فوزه في الانتخابات قد يحمل معه من ثم أملاً في مستقبل غير طائفي للعراق. ثم جرت الانتخابات، وحققت قائمة علاوي اختراقات مهمة في عدة مناطق بالعراق بغض النظر عن البعد الطائفي، وحصلت -أي قائمة "العراقية"- على أكبر عدد من المقاعد في البرلمان العراقي مقارنة بغيرها من القوائم، وإن لم تحصل على الأغلبية المطلقة، ثم بدأت عملية تقليص مقاعد "العراقية" بوسائل سياسية تذرعت بتورط بعض ممثليها في ممارسات غير مقبولة في ظل النظام السابق بما يبرر تطبيق قانون "اجتثاث البعث" على هذا البعض. وتمسكت "العراقية" في البداية بمنصب رئيس الوزراء باعتبارها القائمة الأكثر تمثيلاً في البرلمان وذلك وفقاً لأصول النظام البرلماني، وإن كانت قدرتها على تكوين ائتلاف للأغلبية بدت محدودة في ظل التقارب الواضح بين ائتلاف "دولة القانون" بزعامة نوري المالكي والكتلة الكردية في البرلمان. ومع ذلك فقد داعب الأمل من حين لآخر قادة "العراقية" في ألا يضيع المنصب منهم، خاصة بعد التغير الواضح في توجهات كتلة "المجلس الإسلامي الأعلى" إزاء المالكي، لكن إيران عملت بدأب على إدامة الوضع الراهن في العراق من خلال وساطتها المستمرة بين الكتل الشيعية المختلفة، وبدا دورها طاغيّاً حتى إذا قورن بالدور الأميركي، ناهيك عن الدور العربي العاجز أصلاً. أصبحت "العراقية" على النحو السابق مواجهة بسؤال استراتيجي: هل تقبل في السنوات القادمة حتى يجيء موعد الانتخابات التالية دور المعارض القوي صاحب المشروع الوطني الذي قد تتعاظم فرصه في التأثير على السياسة العراقية مع مزيد من إفلاس المشروع الطائفي لمستقبل العراق؟ أم تدخل بنية السلطة في ظل ترتيبات لا تمكنها من توجيه السياسة العراقية في الاتجاه الذي تراه الأفضل؟ وبينما يتصور من هم مثلي أن الاستراتيجية الأولى هي الصحيحة، خاصة على المدى الزمني الأبعد، فإنه من الواضح أن "العراقية" قد اختارت الاستراتيجية الثانية، وبدأت تمارس "مناورات السياسة" وليس "مشاوراتها"، وما حدث في جلسة البرلمان العراقي يوم الخميس الماضي خير شاهد على النفق المظلم الذي أدخلت "العراقية" فيه نفسها، فقد رفض البرلمان رغبتها في التصويت على قرار يرفع "الاجتثاث" عن بعض قادتها إيذاناً بتسلمهم مناصب مهمة في التشكيلة الحكومية القادمة قبل التصويت على المرشح لرئاسة الجمهورية، وقد أدى هذا إلى انسحاب أعضاء قائمة "العراقية" -وفي رواية أخرى معظم أعضائها، وفي رواية ثالثة أعضائها من السُّنة فحسب- من جلسة البرلمان، واحتدم الجدل السياسي مجدداً وبدأ البحث عن حلول لأزمة جديدة. ثمة دروس عديدة لما حدث في جلسة البرلمان العراقي يوم الخميس الماضي، وأول هذه الدروس أن اللعب بالسياسة على النحو السابق بيانه يمكن أن يفضي إلى الانقسام، فما دام علاوي قد قبل الدخول في بنية السلطة ما الذي يمنع بعضاً من أعضاء قائمته من أن يقرروا البقاء فيها إن شاء الانسحاب لاحقاً؟ صحيح أن الانقسام وارد في كل الأحوال حتى ولو بقيت "العراقية" في المعارضة، لكن علاوي كان يستطيع في هذه الحالة أن ينعت المنسحبين من قائمته بالتراجع عن المشروع الوطني الذي يحمله، أو حتى التخلي عنه. غير أن الدرس الأهم يتعلق بهذا المشروع الوطني تحديداً، فلو كان المالكي طائفيّاً إلى النخاع كما كانوا يقولون، وكما بينت وثائق "ويكيليكس" الشهيرة، كيف يكون منطق العمل معه يداً بيد من أجل بناء عراق جديد؟ وهل تستطيع الأقلية التي سيمثلها علاوي وأنصاره في الحكومة القادمة -إن تشكلت- أن تغير من توجهات الأغلبية؟ وهل يقبل علاوي أن يدخل في حكومة أرسي أساسها بدور إيراني كما سبقت الإشارة؟ وهل يستقيم الحديث عن "ضمانات دولية" لقائمته في بلد ما زال محتلاً؟ فهذه الضمانات لا يمكن أن تكون إلا أميركية، فهل تستحق المشاركة في الحكومة إعطاء مزيد من الشرعية للغزو الأميركي وتداعياته، خاصة بعدما تسرب أخيراً من وثائق دامغة في إدانة سلطة الغزو؟ لا تبدو الأمور على هذا النحو في طريقها إلى استقرار قريب. إذ لا يستريح المرء أولاً للثمن الذي دُفع لعلاوي لإغرائه بالمشاركة في الحكومة العراقية الجديدة، وأعني به ما يسمى بـ"المجلس الوطني للسياسات الاستراتيجية العليا"، فهذا المجلس وقبل أي شيء جسم غريب على أي نظام برلماني، وطبيعته غير مفهومة حتى الآن، فما معنى أن يقال إنه سيكون مؤسسة تنفيذية؟ ولنفرض أنه قرر ما يخالف توجهات مجلس الوزراء، فكيف يكون الحال إلا أن يصبح بداية لصراع جديد؟ أما إذا صح ما يقال عن اشتراط موافقة البرلمان بأغلبية 80 في المئة على ما يقرره هذا المجلس كي يصبح ملزماً فإن المعنى الوحيد لهذا هو أنه سيكون كياناً عاجزاً. وهناك ثانيّاً مشاورات التشكيل الوزاري القادم، والتي مُنحت شهراً آخر من عمر العراق، وما ينتظر أن تشهده من تعقيدات بالغة، ليس بين الكتل المتناحرة فحسب وإنما داخل بعض هذه الكتل أو كلها، ويكفي أن نتذكر أن لـ"العراقية" مطالبها ببعض الوزارات السيادية التي تبدو الاستجابة لها جميعاً مستحيلة كوزارتي الخارجية والدفاع. لقد كان المرء يتمنى أن تحمل التطورات الأخيرة ما يبشر بدولة العراق الجديد، كما صرح المالكي، وليس مجرد التوصل إلى تشكيلة وزارية متوازنة، غير أن من الواضح أن اللعبة السياسية في الساحة العراقية ما زالت تجري في الملعب القديم نفسه، واستناداً إلى القواعد البالية ذاتها، وليس في هذا ما يبعث على أمل في ميلاد عراق جديد، وإنما تبدو الأمور للأسف وكأنها توصلت إلى تشكيلات "قتالية" وليست "سياسية" تتحين أولى الفرص من أجل التشاحن والتطاحن -إن لم يكن الصراع- من جديد. وها نحن نرى نموذجاً شديد الشبه في طبيعته لما يجري في العراق مع خلاف مهم في التفاصيل. ذلك هو النموذج اللبناني القائم بدوره على المحاصصة الطائفية، فقد جرت الانتخابات البرلمانية وأعقبتها أزمة سياسية ممتدة انتهت إلى تشكيل حكومة "متوازنة"، لكن الخلاف المهم هنا عن الحالة العراقية أن المعارضة التي تمثل الأقلية البرلمانية في لبنان لها أنياب "قتالية"، وهكذا استطاعت في عدد من المنعطفات المهمة للسياسة اللبنانية أن تفرض إرادتها، وأخذنا على هذا النحو ننتقل من أزمة إلى أخرى حتى وصلنا إلى الأزمة الأخيرة الخاصة بالمحكمة الدولية المكلفة بملف اغتيال الحريري، وشرعية هذه المحكمة، والموقف الواجب إزاءها، وهي أزمة تفتح الباب على مصراعيه لكل الاحتمالات، وليس هذا بالتأكيد هو المستقبل الذي يستحقه العراق.