لينفصل جنوب السودان بالحسنى وليتم ذلك بالتوافق وحسن الجوار، لا بالكراهية والعداء وتسطير مستقبل مسموم بين الشمال والجنوب. نتائج الاستفتاء المُقرر في شهر يناير القادم تكاد تكون معروفة من الآن، والمزاج الجنوبي لا يحتاج إلى عبقرية متميزة لاستكناه توجهاته. فلماذا إذن لا يُصار إلى تسيير الولادة كي تتم بطريقة طبيعية وحتى لا يأتي الوليد مشوهاً وحاقداً على من وقفوا في وجه قدومه. الاتهامات الانفعالية المُسبقة بأن جنوب السودان سيكون ضد العرب وحليفاً لأعدائهم تصب زيت القصور السياسي على نار العواطف المتهيجة التي ترى في كل حدث سياسي ما جزءاً من مؤامرة كونية على الذات. السودان ومن ورائه مصر وسوريا ودول الخليج والدول العربية كلها ينبغي أن تحتوي دولة جنوب السودان القادمة ولا تدفعها إلى أحضان إسرائيل وغيرها. ستواجه الدولة القادمة في بداياتها ظرفاً بالغ الصعوبة سمته الأساسية الحاجة للوقوف معها ومساندتها، وهو ظرف مداه الزمني قصير ويمثل فرصة ذهبية ووحيدة لتقديم المساعدة والوقوف مع الجنوبيين وليس ضدهم. على الجامعة العربية وعلى مجلس التعاون الخليجي على وجه التحديد تقديم العون بأقصى الاستطاعة، وعدم ترك هذا الميدان لأوروبا والولايات المتحدة وإسرائيل. عوض التصايح من الآن واستدعاء عداوات غير مبررة مع الجنوبيين لتكن السياسة هي الاحتواء والتعاون وإبقاء الجنوب وشعبه أصدقاء في الدائرة الأوسع. إذا تغلب العقل والتفكير المنطقي على العاطفة والانفعال وردود الفعل فإننا نتفادى تصنيع عدو جديد كان حتى الأمس القريب أخاً وشقيقاً وجزءاً من دولة عربية. إن تم تحويل جنوب السودان إلى كيان عدو واستحكمت سياسات الانتقام وقصر النظر عند الحكومة في الشمال وانتظم نمط العلاقة بين الطرفين بالعداوة والمؤامرات والاتهامات، فإن هذا ينقض كل نداءات الوحدة وشعارات ضرورة إبقاء الجنوب كجزء لا يتجزأ من البلد والشعب الواحد. إذا كان الجنوب والجنوبيون جزءاً من الشعب الواحد ولو مع بعض الاختلافات فإن هذا يحمي العلاقة من الانحدار إلى العداء. أما إذا تدهورت العلاقة حتماً نحو ذلك الاتجاه فإن كل المقولات التي تُطرح الآن من قبل الشمال ستبدو كاذبة في المستقبل وبأثر استرجاعي، وبكونها كانت تستخدم لأغراض وقتية فقط من دون قناعة بمضمونها. والإفلات من ذلك المسار الممض والمظلم يتم عبر "التسريح بإحسان"، وعلى أساسه تنبني علاقة جوار طيبة بدل العداء، تقود إلى علاقات مستقبلية أكثر متانة وربما تدور الأمور دورة كاملة باتجاه فيدرالية متوافق عليها وليس مفروضة. أحد قادة الجنوب السوداني وصف مؤخراً وحدة السودان القسرية والتخيُّلية بكونها تتمثل في امتطاء أهل شمال السودان ظهر أهل الجنوب فيه، مستنكراً إمكانية استمرار وحدة يكون هذا شكلها العام، وفيها يسيطر جانب على آخر قسراً وامتهاناً. وفي هذا هو محق تماماً، ذلك أن عالم اليوم لم يعد يحتمل وحدات للدول والشعوب تتم بالحديد والنار، فقد مضى زمن الامبراطوريات والأباطرة الذين يضمون هذه الجغرافيا أو تلك وسكانها بالقوة العسكرية. وحدات الشعوب والأمم صارت تقوم على قاعدة الخيار الحر وتقرير المصير والمفاضلة العامة بين أكلاف خياري الوحدة والانفصال وأيهما يقود إلى معضلات وضحايا ومظالم، وربما دماء، أقل. عندما يصبح الانفصال هو الأقل تكلفة، فإنه يرجح على وحدة قسرية قائمة على القهر والعداء والاستغلال. وخلال سنوات طويلة ماضية فشل شمال السودان في إقناع جنوبه بغلبة إيجابيات البقاء في سودان موحد على سلبيات الانفصال عنه. وهذه حقيقة مرة يجب التعامل معها وعدم التظاهر بعدم وجودها أو تجاوزها. في اسكتلندا هناك حزب قوي، الحزب الأسكتلندي القومي، يقود الحكومة المحلية ويتبنى دعوات للانفصال عن بريطانيا منذ سنوات طويلة، ومع ذلك لم ينجح في تعبئة أغلبية سكانية تؤيده في مطلب الانفصال. والسبب في ذلك أن الأسكتلنديين أنفسهم يرون أن فوائد الوحدة والبقاء في الاتحاد البريطاني أكثر وأنفع من عوائد الانفصال. وفي ويلز أيضاً هناك نزعات انفصالية قومية شبيهة وإن كانت أضعف بكثير من تلك الأسكتلندية، بيد أنها هي الأخرى لا تلقى شعبية واسعة. وفي قلب القارة الأوروبية يقدم المثالان البلجيكي والسويسري حالتين غنيتين بالدروس، إذ تقوم وحدات بين قوميات وإثنيات مختلفة، تتفق في أغلبها على أفضلية البقاء معاً على الانفصال. وفي المقابل كان رأي التشيك والسلوفاك بعد انتهاء الحرب الباردة أن الانفصال الودي أفضل للطرفين من التوحد المُفتعل فانقسمت تشيكوسلوفاكيا إلى بلدين يتمتعان بعلاقات طيبة وتكاملية مع بعضهما بعضاً. وبخلاف ذلك قدمت يوغسلافيا السابقة درساً فادحاً يجب ألا يغيب عن أي مراقب حصيف في دموية الانفصال الذي تم على مدار سنين وأسقط ضحايا بمئات الألوف من قتلى وجرحى ومهجرين. وأهم ما في ذلك الدرس هو تجذير العداء لأجيال قادمة في مستقبل يكون السواد لونه الوحيد. على ذلك، لا يحتاج شماليو السودان ولا جنوبيوه مستقبلًا سياسيّاً يسيطر عليه الحقد والعداء والتنافس والتآمر. بإمكانهم اختصار الكثير من المرارة والقسوة واختيار طريق أسهل. ما هو مطلوب سودانيّاً وعربيا يتمثل في "التمنيات" الآتية: أولاً: مواصلة إعلان الحكومة في الشمال أنها ستحترم رأي الجنوبيين في الاستفتاء القادم أيّاً كان. ومؤكدة أنه في حال اختار الجنوبيون الانفصال فإن الشمال سيساعدهم على الوقوف على أقدامهم ويكون إلى جانبهم، ولن يعيق بروز كيانهم. ثانيّاً: تصدر الحكومة وقادة الجنوب بياناً مشتركاً يقول إن مستقبل العلاقة بين الطرفين في حال اختار الجنوبيون الانفصال ستحكمه علاقات الصداقة والتعاون، وأن أول وأهم جوانب تلك العلاقات يتمثل في سياسة الأمن المشترك والحدود المفتوحة التي تعني إمكانية التنقل للأشخاص والتجارة من دون إعاقات ضريبية أو تأشيراتية. كما أن أية مقترحات مستقبلية حول علاقات فيدرالية أو كونفدرالية مع الجنوب ستتم على قدم المساواة والندية والاحترام وبعد أن يستقر وضع الجنوب وكيانه. ثالثاً: تصدر الجامعة العربية ومجلس التعاون الخليجي بيانات تؤكد أيضاً احترام قرار الجنوبيين مهما كان، وتتعهد بتقديم العون للجنوب والجنوبيين سواء بقوا جزءاً من السودان أو استقلوا عنه. رابعاً (وهو أصعب التمنيات): أن يتحلى كثير من القوميين والإسلامويين ومناصري الوحدات القسرية بالصمت أو على الأقل تخفيف نبرة الخطابات الرنانة التي تلصق بالجنوبيين تُهماً طولاً وعرضاً. خطابات التخوين والاتهام تؤسس لعلاقة مستقبلية عدائية وتزيد من تعقيد قدوم الوليد: دعوه يخرج إلى هذا العالم محايداً وغير حاقد، يعمل على تشكيل نظرته للجميع ويتعاون معهم وفق تعاملهم معه، وليس وفق محاولاتهم إعاقته وتشويهه. خيار التسريح بإحسان صعب لأنه يتطلب برنامج عمل وتسيس ومساعدة وتعاون، أما خيار العداء فهو الأسهل لأنه يستجيب للغضبات الانفعالية والهيجان السياسي وكل ذلك لا يترك وراءه سوى حاضر مدمر ومستقبل مظلم... ورطانة ترغي وتزبد.