تصاعدت وتيرة العمليات الإرهابية بشكل مكثف في العقود الأخيرة في مختلف مناطق العالم، وإذا كانت معظم الدول قد أجمعت على خطورة هذه الآفة، وأكدت على ضرورة مجابهتها، فإنها اختلفت في مقاربتها. ويكاد الكل يجمع على أن ظاهرة "الإرهاب الدولي"، أصبحت تشكل تحديّاً كبيراً أمام المجتمع الدولي برمته بالنظر للتحديات الأمنية والسياسية والاقتصادية التي أصبحت تطرحها أمام مختلف الدول، فالعمليات التي طالت عدداً من البلدان في الآونة الأخيرة، أكدت أن مخاطرها تتجاوز مخاطر الحروب النظامية بالنظر لجسامتها وفجائيتها واستهدافها لمنشآت استراتيجية ومصالح حيوية ونظراً لخسائرها البشرية الفادحة. فبعدما كانت العمليات "الإرهابية" تتم وفق أساليب تقليدية وتخلف ضحايا وخسائر محدودة في الفئات والمنشآت المستهدفة، أصبحت تتم بطرق بالغة الدقة والتطور مستفيدة من التكنولوجيا الحديثة. وعلى رغم مختلف الجهود والاتفاقيات التي بذلت في سبيل الحد من هذه الظاهرة، فإنها لم تكن بالفعالية المطلوبة، حيث تبين أن الظاهرة باتت في تزايد مستمر وخطورة متنامية. ويمكن القول إن عجز المجتمع الدولي عن صياغة مفهوم دقيق ومتفق عليه بشأن هذه الظاهرة، بسبب تباين الخلفيات الإيديولوجية والمصلحية والمذهبية بالنسبة للباحثين والمفكرين والسّاسة، أسهم بشكل كبير في قصور مختلف هذه التدابير والإجراءات التي حاولت مقاربة هذه الظاهرة العابرة للحدود.. إن إقرار المجتمع الدولي برمّته بهذا الخطر، الذي أصبح يحتل مكانة حساسة على رأس قائمة الأولويات ضمن مختلف اللقاءات والمؤتمرات الدولية، لم يمنع من تطور وتنامي الظاهرة خلال السنوات الأخيرة، ذلك أن التباين المطروح بصدد مفهومها الملتبس، أضحى عائقاً أمام مقاربته بشمولية وفعالية تسمح بوقف زحف الإرهاب وانتشاره. وعلاوة على اختلاف مواقف الفقهاء والدول المتباينة بهذا الصدد، فإن الأمم المتحدة نفسها عجزت هي أيضاً عن بلورة مفهوم قادر ومحدّد يحظى بقبول جميع دول العالم. وتتعدّد الرؤى والمواقف إزاء هذه الظاهرة تبعاً لتباين الخلفيات الإيديولوجية والثقافية والسياسية.. وتتباين بين مؤكد على اختزال "الإرهاب" في كل أشكال العنف، وبين من يميز بين العنف المشروع والعنف المحرم، وبين من يركز على "إرهاب" الأفراد، ومن يميزه عن "إرهاب" الدولة، إلى الحد الذي اختزل فيه الإرهاب في كثير من الأحيان في عنف "الآخر". وجدير بالذكر أن هذا التباين في المفاهيم، يفتح المجال أمام المقاربات الانفرادية للظاهرة التي تركّز في غالبيتها على الجوانب الأمنية، مما يسهم في تنامي الظاهرة وانتشارها على نطاق جغرافي واسع. وبإلقاء نظرة سريعة على مختلف الجهود الدولية المرتبطة بمكافحة الإرهاب، يتأكد أن جل هذه الجهود اتخذت الطابع العلاجي، وتحكّم فيها الهاجس الأمني أكثر من أية اعتبارات أخرى. إن أسباب ظاهرة "الإرهاب" الدولي كمظهر من مظاهر العنف متعددة ومتشابكة ومعقدة في آن واحد، وتتنوّع بين ما هو سياسي واقتصادي واجتماعي وتربوي وأمني أيضاً، ولذلك فالمكافحة الحقيقية لهذه الظاهرة تبدأ من بلورة مفهوم عالمي لها، وتجاوز المقاربة الأمنية التي تركز على الفاعل والفعل (وقد أثبتت قصورها بالفعل في العديد من الحالات) إلى مقاربة شمولية، تسمح ببلورة سبل ناجعة ومداخل تقف على المسببات والدوافع الحقيقية لهذه الظاهرة في شتى أبعادها وتجلياتها النفسية والاجتماعية والتربوية، بدل الخوض في علاجها بأشكال زجرية وأمنية فقط، وبخاصة أن التجارب الدولية المرّة في هذا الخصوص أوضحت، بالملموس، أن أي إجراء أمني مهما توافرت له الإمكانيات البشرية والتكنولوجية والمادية، لا يمكنه الحد من هذه الظاهرة، بعدما أصبح القائمون بهذه الأعمال يطورون آلياتهم ووسائلهم ويستغلّون بتحايل كبير أضيق الفرص والفجوات لتنفيذ أعمالهم الإجرامية. إدريس لكريني كاتب مغربي ينشر بترتيب مع مشروع "منبر الحرية"