يشكل إعلان إسرائيل في الأسبوع الماضي عن توسيع جذري لمستوطنة "هار حوما" التي تفصل أصلًا بين القدس وبيت لحم استخفافاً آخر بما يسمى "العملية السلمية"، وهذا الفصل الجديد في توسيع الاستيطان يساهم فقط في ترسيخ الاعتقاد بأن نتنياهو غير معني بالتوصل إلى سلام عادل مع الفلسطينيين، فهو لم يغير مبادئه وتوجهاته القديمة وما زال في أعماقه مراوغاً غير نزيه ومتطرفاً أيديولوجيّاً. وفي الوقت نفسه يذكرنا الإعلان بشأن توسيع مستوطنة "هار حوما" بمدى العجز الأميركي الذي لعب على مدى التاريخ دوراً سلبيّاً في تعزيز السلوك الإسرائيلي السيئ، فأنا ما زلت أتذكر جيداً قبل عقد ونصف من الزمن منظر جبل أبوغنيم الذي تقام عليه اليوم المستوطنة الإسرائيلية حيث كان وقتها تلة خضراء جميلة في الضاحية الشمالية لبيت لحم، وكان أرضاً عربية احتلتها إسرائيل في عام 1967 ثم ألحقتها بها كجزء من القدس الكبرى. وبعدما أصبح نتنياهو رئيساً للوزراء في عام 1996 وكجزء من الممارسات الاستفزازية الموجهة، حسب كلماته، "للقطع التام" مع عملية السلام التي أطلقها مسلسل أوسلو، وحتى يثبت للأميركيين والفلسطينيين من يتحكم في الأمور، أعلن خطته لبناء "هار حوما" على التلة العربية! وكان القصد من وراء تشييد المستوطنة تطويق القدس بسلسلة من الوحدات السكنية لليهود من شأنها فرض السيطرة الإسرائيلية على المدينة المقدسة ومنع الفلسطينيين من الوصول إليها. وبالطبع سارعت إدارة كلينتون وقتها إلى التنديد بالخطوة الإسرائيلية، معبرة عن انشغالها بكلمات مكرورة مثل وصفها للمستوطنة بأنها "تأتي بنتائج عكسية" وما إلى ذلك من العبارات التي لا تفيد وحدها في وقف نتنياهو عن غيه، حيث حضرت الجرافات بسرعة وانقضت على جبل أبوغنيم لتحوله من مكان جميل إلى حفرة كبيرة استعداداً للبناء ومد الطرق. وعندما لجأ الفلسطينيون إلى مجلس الأمن في الأمم المتحدة عارضت أميركا استصدار قرار إدانة من المجلس وتم الاكتفاء بإدانة الجمعية العامة التي عارضتها أيضاً الولايات المتحدة. وهي على كل حال قرارات لا تملك أي سلطة لإرغام إسرائيل على التوقف، حيث استمرت إدارة كلينتون في الشجب والاستنكار فيما واصلت الدولة العبرية مخططاتها الاستيطانية. ولكن ذلك كان قبل عقد ونصف العقد من الزمن، أما اليوم فإن "هار حوما" تضم 17 ألف مستوطن يهودي، كما يأتي الإعلان الإسرائيلي الأخير ببناء ألف وحدة سكنية أخرى لإضافة بضعة آلاف من اليهود إلى المستوطنة، وهي الخطوة التي من شأنها تكريس واقع الاستيطان فوق جبل أبوغنيم وزيادة حجم المستوطنة بحوالي 50 في المئة عما هي عليه اليوم. والحقيقية أن ما يزعج أكثر في الإعلان الإسرائيلي هو التوقيت الذي جاء فيه والمقاصد التي يحملها في طياته، فالإعلان عن الخطة تزامن مع الزيارة التي يقوم بها نتنياهو إلى الولايات المتحدة وبعد فترة قصيرة من اجتماعه بنائب الرئيس، "جو بايدن"، ليبدو الأمر وكأنه تحدٍّ صارخ للجهود التي تبذلها إدارة أوباما الرامية إلى إعادة إطلاق مباحثات السلام. هذا بالإضافة إلى الرسالة الموجهة إلى الفلسطينيين التي تطلعهم على الموقف المتعنت لإسرائيل تجاه مطالبهم بوقف الاستيطان، دون أن ننسى الرسالة الأخرى التي تقول فيها إسرائيل إنها الطرف الذي يحدد شروط السلام والصيغة النهائية لأي اتفاق، وهي الصيغة التي تريد إسرائيل الوصول إليها بعد قضم أقصى ما يمكنها من الأراضي الفلسطينية. وبالنظر إلى تاريخ نتنياهو المعروف سواء في التسعينيات، أو حتى في فترته الحالية، كان رد فعل إدارة أوباما على استفزاز الاستيطان مخيباً للآمال باكتفائها بترديد التنديدات الضعيفة والجوفاء، حيث اكتفى الرئيس أوباما بوصف الخطة الإسرائيلية بأنها "لا تساعد في تحقيق السلام" تاركاً الأمر لوزيرة خارجيته التي وصفتها بأنها "تأتي بنتائج عكسية". والأكثر إزعاجاً من كل ذلك تصريحات أخرى لوزيرة الخارجية، هيلاري كلينتون، أدلت بها عقب سبع ساعات من المباحثات مع نتنياهو مؤكدة في نهايتها "الالتزام الأميركي الثابت" تجاه أمن إسرائيل، معتبرة أن اتفاقية السلام التي تسعى الولايات المتحدة إلى الوصول إليها هي تلك "التي تصالح بين الأهداف الفلسطينية بإقامة دولة مستقلة وقابلة للحياة على حدود 1967 مع تبادل متفق عليه للأراضي، وبين الهدف الإسرائيلي المتمثل في دولة يهودية تنعم بحدود آمنة وتأخذ بعين الاعتبار التطورات اللاحقة كما تلبي الاحتياجات الأمنية الإسرائيلية". ويبدو أن وزيرة الخارجية في تصريحها الأخير صادقت على الرسالة الشهيرة التي بعث بها بوش في عام 2004 إلى شارون، وهو ما يعني التخلي عن حقوق الفلسطينيين وإطلاق يد إسرائيل في مجال الاستيطان. والخلاصة الوحيدة التي يخرج بها المراقب لما يجري على الأراضي الفلسطينية هي أن المستوطنات التي بنتها إسرائيل على مدى الـ 43 عاماً الأخيرة متحدية بذلك القانون الدولي الذي يعتبرها غير شرعية والإدارات الأميركية المتعاقبة التي وصفتها في كل مرة بالمنافية للقانون الدولي، أصبحت اليوم حسب تصريح هيلاري كلينتون مجرد "تطورات لاحقة" يمكن تسويتها من خلال "تبادل متفق عليه للأراضي". ولذا يمكننا اليوم الترحم على جبل أبوغنيم فهو لم يعد تلك التلة الجميلة الخضراء على مشارف بيت لحم بل تحول عبر سنوات من التحدي الإسرائيلي وتخاذل الموقف الأميركي إلى مستوطنة يهودية.