التوق نحو عالم أكثر عدلاً وإنسانية هو القلق الأكثر ديمومة والضاغط الإيجابي العظيم الذي كان خلف معظم حركات الأفكار والسياسة التي تمردت على كل واقع فقير من القيم أو مسترذل لها· وأينما وجد واقع تهمشت فيه القيم كانت تحيزات القوة ومصلحتها الأنانية جاهزة للقفز عليه لاحتلاله وتوجيه مساره الأساسي. وعندها، وبتلقائية بشعة، يتحول طفحان الظلم إلى سمة أساسية لازمة -أو واقعية يتوجب القبول بها عقلانياً . سمة صلدة ومعترف بها إلى درجة تشل القدرة الإنسانية حتى عن مجرد التفكير بأن احتمالية تغيير الواقع ممكنة أو مطروحة. وعندما يصبح العجز عن تغيير الواقع هو بحد ذاته واقعاً جديداً فإن ذلك هو حقاً الانتصار المدوي، والرهيب، لأي واقع قائم على تحيزات القوة، ومهمش ومهشم لقيم العدل. أليس من المدهش أن نعيش باطمئنان في عالم يبلغ فيه استهلاك الفرد الأميركي من الطاقة ثمانية وثمانين ضعفاً لما يستهلكه الفرد الأفغاني؟
ليس كل واقع واقعاً ظالماً بالكلية، تعريفاً· فثمة طيف حالات من أوقعة يتواجد فيها الظلم والعدل بمساحات متفاوتة، يغلب فيها الأول على الثاني هنا، أو الثاني على الأول هناك. والمسعى الإنساني الأرفع في كل حال وواقع هو مواجهة مساحات الظلم فيه وإنقاصها، وتوسيع مساحات العدل وإكثارها·
واقع العالم الراهن يغلب فيه الظلم على العدل، وليس هناك كبير حاجة لتعداد الأدلة والشواهد· تكفي الإشارة إلى فداحة تفاوت توزيع الثروات، وتمركز الرفاه والقوة في قبضة خمس العالم على حساب أربعة أخماس تتخبط في الفاقة والضعف· وهو واقع ناتج، في تقدير مجمل، عن ثلاثة قرون من تغطرس القوة الباطشة وقيادتها لمصائر البشرية ونهبها لكل ما وقعت عليه من ثروات الآخرين· بعد الحربين الأولى والثانية في القرن العشرين صاغ جزء من القوة الباطشة شكل العالم وفق نتائج انتصاراته على الجزء الآخر من القوة نفسها· قام مجلس الأمن لسوس عالم ما بعد الحرب وفق بوصلة المنتصرين، وتأسست مؤسسات مالية دولية لإدارة ثروات الأرض وفق مصالح المنتصرين - وخلق واقع ونظام دولي متماسك تحرسه القوة ولو على حساب قيم العدل· أحل النظام الجديد سلاماً في داخل أنظمة القوة الباطشة نفسها، ونجح في تحييد الحرب فيما بينها، وصدرها إلى خارج فضائه· صار فردوساً داخلياً مقارنة بما كان عليه· صارت فيه حرية فردية وديمقراطية وعدل داخلي وتطورت فيه مجتمعات رعاية اجتماعية أصبح الوصول لشكلها حلماً، ولو بعيد المنال، لكل مجتمعات الأرض· أما وراء حدود ذلك الفردوس فكان الجحيم· تزايد افتراق الفردوس والجحيم عن بعضهما بعضا في ظل نظام عالمي مختل في كل شيء حتى في اسمه: نظام عالمي لا يخدم العالم بل يخدم أقليته الحاكمة وشعوبه المتمترسة خلف قلاع القوة والمال التي أنشأها النظام·
الناقمون والمعارضون لهذا النظام ينقسمون بين غالبية تريد التغيير من الداخل ، وأقلية ترفضه وتريد استبداله: وهو الانقسام التقليدي القديم المتجدد بين طرح الثورة والانقلاب على الوضع القائم، وطرح التغيير بالإصلاح التدريجي من الداخل· راهناً،لم يعد لفكر الثورة والانقلاب كثير أنصار، فقد كان وما زال الوضع القائم ثقيل الوطأة في سيطرته، وتغييره ليس له علاقة بسهولة تحبير الشعارات ضده· عملياً: تبعثر ثوريو الأفكار العالمية الانقلابية، وابتلع غالبهم تيار التغيير من الداخل·
لكن، ومع ذلك، تظل لطروحات الثوريين نكهتها الخاصة، ولها رونق التسامي الإنساني الذي ينفصل عن الوضع القائم ويحاربه، ويحلق في آفاق مستقبل عادل مختلف وبعيد، إن علا صوت أحدهم بأنه قد يأتي، يجد عشرة أصوات تسخر من مثاليته وتؤكد بأن هكذا مستقبلا لا يوجد إلا في أحلام الشعراء· وهكذا نعيش صخب الواقعية المنتصرة وأعلام الوضع القائم التي ترفرف فوق أكتاف أنصاره، أو معارضيه ممن أندرجوا في سياقه مقنعين أنفسهم أو متوهمين بإمكانية الإصلاح من الداخل·
وسط صخب الواقعية هذا يطلع صوت من قلب المثالية الثورية ليقول إن هذا الوضع القائم بالغ الظلم لدرجة ميؤوس معها توليد عدل عنه، وإنه بالغ الوحشية لدرجة أن لا إنسانية مرجوة منه، وعنيد على التغيير الداخلي لدرجة أن الحل الوحيد هو قلبه والتخلص منه· هذا هو موقف الكاتب والأكاديمي والناشط البريطاني جورج منبيوت في كتابه الجذري والتحريضي مانيفستو من أجل نظام دولي جديد: عصر الاتفاق · وعصر الاتفاق الذي يدعو إليه هو عصر يتوافق فيه الجميع على أنه لا بد من التخلص من العصر الحالي الذي هو ذاته عصر تمرد يتضمن تطورا محمودا على عصر الاجبار، الذي وسم عقوداً ماضية· أما عصر التمرد فهو على إيجابيته، حيث حركات المعارضة ضد العولمة وضد ما يراه كثيرون انحيازاً ضد غالبية البشر، يظل ناقصاً إذ يُنظر إليه على أنه الهامش أو الفرع النابت عن الأصل: الوضع القائم· أما عصر الاتفاق فهو إحلال بالكامل عن الوضع الراهن وتغيير له بحيث يصبح هو الأصل وسواه الهوامش· وهو توافق على أن المشكلة في الكثير مما وصلت إليه الإنسانية من وسائل وآليات لا تكمن فيها بق