تهافت مسؤولون إسرائيليون، كبار وصغار، على استغلال قضية الطرود المفخخة، وكأنها "هدية" غير متوقعة. أوحى بعضهم، بلا أي دليل، بأن إسرائيل "كانت تعلم" بأمر الطرود، لكن أيّاً من العواصم الغربية لم تشر إلى معلومات توفرت لديها مسبقاً من مصدر آخر غير السعودية، إلا إذا كان الإسرائيليون يحتفظون بالمعلومات لأنفسهم، أو أنهم يواجهون أزمة مصداقية حتى عند أصدقائهم، نظراً إلى الطابع الأيديولوجي النافر والمنفِّر لحكومتهم الحالية. اندفع نتنياهو إلى أقصى ما يستطيع بقوله: "نواجه موجة كبرى من الإرهاب الإسلامي". كان بإمكانه اعتماد تصنيف آخر، لكن هوسه بإبقاء مأزقه الفلسطيني في خانة الإرهاب زيَّن له التفوُّه بما قال، متجاهلاً أن الدولة المعنية تعاونت على درء خطر الطرود المفخخة متجاوزة أي اعتبار ديني، لأن الأمر يتعلق واقعيّاً بعصابة شريرة وليس بالإسلام. وخلال وجوده في واشنطن، سيتأبط نتنياهو أشرطة أسامة بن لادن وأنور العولقي، مستخلصاً أمام محاوريه: مع هؤلاء تريدوننا أن نتفاوض. وهي فرصة سانحة له كي يضيف: شكراً لـ"القاعدة" فهي تأتي دائماً في اللحظة المناسبة لإنقاذنا، هكذا فعلت في 2001، وهكذا لا تزال تفعل. في واشنطن باتوا يعرفون عن شؤون الإرهاب ما لا يحوجهم إلى آراء نتنياهو أو نصائحه، لكنهم يعرفون أكثر عن الاستغلال الإسرائيلي للإرهاب بعد هجمات 11 سبتمبر وعن توظيف الغضب والرغبة في الانتقام الأميركيين للإجهاز على الفلسطينيين قتلاً مبرمجاً وتدميراً منهجيّاً لاقتصادهم ومؤسساتهم ومراكمة للتعقيدات وصولاً إلى القول: لم يعد هناك مفاوض فلسطيني يستحق أن نحاوره ونعقد معه اتفاق سلام. يدرك أعضاء إدارة أوباما أن رئيس الوزراء الإسرائيلي آتٍ بعد أيام من انتخابات التجديد النصفي لمجلسي الكونجرس بهدف جس نبض الإدارة بعد هزيمةٍ لعب اللوبي اليهودي دوراً فيها. فهذا الفوز المتوقع لـ"الجمهوريين" هو ما حفزه على رفض متابعة المفاوضات، عبر رفض تمديد التجميد للاستيطان. ومنذ الآن، سيعمل نتنياهو على أساس أن أوباما لن يكون في البيت الأبيض بنهاية ولايته هذه. لذا فهو سينصح الحلفاء بإبقاء الأولوية لمكافحة الإرهاب. الرجل الثاني في الحكم الإسرائيلي، إيهود باراك، ذهب بالطرود المفخخة في منحى آخر، فهو يرى إسرائيل شريكاً في محاربة الإرهاب على المستوى الدولي، ويعرب عن خوفه من مستقبل قريب يحوز فيه الإرهابيون على أسلحة كيمياوية أو بيولوجية. وعلى رغم عقله الأمني البحت فإنه يدعو إلى التعامل مع مشاكل الفقر والفساد وإلى تطوير التعليم تفاديّاً لانزلاق شرائح سكانية واسعة نحو الإرهاب. نسي باراك أن يشير إلى الاحتلال، ولم يقل أي تعليم تلقى المستوطنون الذين يغيرون على قاطفي الزيتون، ولم يوضح أنه هو شخصيّاً من تبنى أوامر خطية للجنود كي يرتكبوا جرائم حرب في غزة. واقع الأمر أن الإسرائيليين لا يريدون أن يدركوا، وإذا أدركوا لا يعترفون، بأن تغييراً عميقاً حصل في صورتهم وفي النظرة الدولية إليهم وفي المصداقية التي ينسبونها إلى أنفسهم خصوصاً في ما يتعلق بمكافحة الإرهاب. لاشك أن لديهم قدرات استخبارية يمكن أن يشتروا بها بعض الصداقات هنا وهناك، ولاشك أنهم يتمتعون بانحياز أميركي أعمى لهم مهما بلغت جرائمهم، ولاشك أن لديهم علاقات وثيقة مع الأجهزة والمنظمات الدفاعية الغربية، لكنهم أرهقوا الجميع بلغوِهم في العبث بأمن الشرق الأوسط وتطرفهم في عبادة الحروب. أرهقوا أصدقاءهم قبل خصومهم فحتى كبار القادة العسكريين الأميركيين لم يعودوا يترددون في اتهام الممارسات الإسرائيلية بأنها باتت تشكل خطراً على جنودهم في العراق وأفغانستان وكل مكان. لكي تكون إسرائيل شريكاً في مكافحة الإرهاب عليها أن تتمايز عن تنظيم "القاعدة"، فبمقدار ما يمكن اعتبار "القاعدة" معنية بالإسلام يمكن اعتبار إسرائيل معنية بالسلام والاستقرار. وإذا كانت هناك مصلحة قومية أميركية -كما يقال- في احتواء الإرهاب والقضاء عليه، فإن هذه ليست مصلحة إسرائيلية كما اتضح خلال الأعوام العشرة الماضية. وإذا كانت هناك مصلحة قومية أميركية -كما يقال أيضاً- في سلام شامل في الشرق الأوسط، فهذه قطعاً ليست مصلحة إسرائيلية، وإلا فإن أحد الطرفين يكذب، أو كلاهما، أو أن الحقيقة الوحيدة الثابتة أن العداء للعرب يعزز تحالفهما فيستخدمان الإرهاب ولا يأبهان بالسلام.