الجريمة التي نفذتها "القاعدة" في العراق ضد المسيحيين في كنيسة سيدة النجاة، وما رافقها من تهديدات للأقباط في مصر، ليست حادثة استثنائية خارجة عن المناخ والسياق الذي ولدها. ففي ذلك المناخ المتطرف والمُزايد على ذاته باجتراح تطرفات أكثر وأسوأ يكمن الخطر الأكبر والحقيقي. ما تشهده المنطقة من تطرف وجنوح نحو القضاء على الآخر المختلف هو التحدي الأول للعرب كأمة. وإذا لم تكن نزعات التطرف والإقصاء والتربص بالآخر متجسدة فإنها تكون مع الأسف كامنة تحت السطح تنتظر الظرف الملائم لتنفجر. فشلت دولة الاستقلال في العالم العربي في تجذير مبدأ المواطنة. نرى ذلك ابتداءً من الدساتير التي تنص على تخصيص دين معين يكون الدين الرسمي للدولة، بما يعني دسترة التمايز ورسملة الأفضلية الدينية للغالبية على حساب بقية الطوائف، وصولاً إلى الجماعات المتطرفة التي تزعم النطق باسم الغالبيات المسلمة وتعمل على تضييق تعريفها للإسلام والمسلمين، معلنة الحرب على من يقع خارج تلك التعريفات. مناخات التطرف خلقت ظروفاً طاردة لمسيحيي المشرق العربي من العراق إلى فلسطين ولبنان ومصر. وتخلق ظروفاً طاردة للشيعة في المجتمعات ذات الغالبية السنية، وللسود في المجتمعات ذات الغالبية البيضاء، ولغير العرب في المجتمعات ذات الغالبية العربية... وهكذا. ومن دون أن تتم مواجهة الحقائق المرة على الأرض فإن الوضع الكارثي سوف يتواصل، ناهيك عن الافتقار الجماعي لأي حلول ناجعة. يحدث هذا كله في ذات الوقت الذي يتصايح فيه العرب والمسلمون ضد العنصرية في الغرب وضد ما يتعرض له بعض أفراد الجاليات هناك، وهو بكل حال لا يصل إلى تفخيخ المساجد وتفجيرها على رؤوس المصلين فيها. الكارثة الكبرى التي تشهدها بلاد العرب والمسلمين تكمن في الاتساع المتواصل للفكر والممارسات "القاعدية" الإجرامية التي تستسهل الذبح والقتل يميناً ويساراً، من دون أن يردعها خلق أو دين أو عرف. لا يستطيع أحد أن يفسر استباحة دماء الآمنين والأبرياء الذين لا ناقة لهم ولا جمل في المسوغات التي تنطق باسمها جماعات القتل. ولا يستطيع أحد أن يقول لنا أين ذهب مبدأ "ولا تزر وازرة وزر أخرى"، هذا بفرض أن هناك "وازرة" تستحق ذلك الاستعداء. ما دخل المصلين بكنيسة آمنة في العراق، فيما يقوم به مسيحيون في مكان آخر من العالم؟ وما دخل شيعة يصلون في مسجد هنا أو هناك، بموقف سياسي لحزب شيعي أو عالم شيعي وما يصدر عنه؟ في تبرير تفجير أحد المسجدين في شمال غرب باكستان قبل أيام قليلة قالت "طالبان" باكستان إنها استهدفت خصماً قبلياً لها يرتاد المسجد هو وأفراد عائلته. سقط في الهجوم 66 قتيلاً وجرح أكثر من مائة ورد أن أكثر من نصفهم في حالات حرجة، فيما نجا الخصم القبلي المُستهدف من الموت. أي دين وأي مبدأ وأية أخلاق تسوغ مثل هذا العمل الإجرامي وإبادة مصلين في مساجد وكنائس ومعابد لأن مأفوناً في عقله أصدر فتوى لقتل خصم له؟ يحدث كل هذا في منطقة كانت قد تفاخرت في أزمان سابقة بتسامحها وتنوعها الشديد واستقبالها المضطهدين من كل دين وملة. الآن أصبحت المنطقة طاردة وفجة يغلفها التعصب الديني وتقود الوعي العام فيها فضائيات رثة ورجال دين يتسابقون في إصدار فتاوى التحريم والإقصاء. هناك خطر حقيقي يحدق بشعوب المنطقة ونخبها ومستقبلها عنوانه الرئيسي "التعصب الديني". وعن هذا التعصب تصدر كل الشرور التي نراها الآن. سوف يصيح كثيرون: إن في هذا التوصيف اختزالاً لأسباب وسياقات أخرى: اين الغرب وحروبه، وإسرائيل واحتلالها. الإجابة أن الغرب وإسرائيل كانوا هنا، ولم يهدأ النضال ضدهم، لكنه كان نضالاً أخلاقياً، مدفوعاً بقيم إنسانية ولم يسمح لبشاعة المعركة أن تنحط بنا وبإنسانيتنا إلى الدرك السيئ الذي وصلناه. نستطيع مواجهة كل القضايا والتحديات لكن ليس انطلاقاً من قاعدة التعصب الديني، لأننا سنكون نحن أول ضحاياها. وكما تشير معظم الحالات التي تفاقمت فيها قوة التعصب الديني عبر استغلال القضايا الوطنية، فإن ما يحدث هو استثمار التراكم الذي تحققه الحركات الأصولية على صعيد هذه القضية الوطنية أو تلك وترجمته اجتماعياً وثقافياً لاستئصال مخالفيها وفرض رؤيتها الفكرية على الجميع. والشيء المؤسف أن التيار المعتدل الذي كان قد تم التعويل عليه لصد زحف الجماعات المتطرفة لا يملك رؤية واضحة ضد العنف وضد هذه الجماعات وضد التردي العام الذي تقودنا إليه. فمثلاً وفي الاجتماعات الأخيرة للاتحاد العالمي لعلماء المسلمين فإن أجندة البحث والأوراق المنشورة لا تشير إلى قلق الاتحاد وعلمائه إزاء الانحطاط القيمي والأخلاقي الذي يجتاح المسلمين. بل يتباهى الاتحاد بأنه نشر تقريراً موسعاً لرصد "المد الشيعي" في المنطقة العربية. يصدر هذا عن جهة إسلامية تزعم أنها تمثل المسلمين بكل طوائفهم، السنية والشيعية والأباضية وغيرها. كان حرياً بالاتحاد أن يصدر تقريراً موسعاً لرصد "المد القاعدي" الذي لا يفرق بين سنة وشيعة ومسيحيين، بل يضعهم جميعاً في مرمى الهدف، ويقودنا جميعاً نحو مصير مجهول لا يعلم أحد كنهه.